المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثامن والتسعون بعد الأربعمائة

الشاهد الثامن والتسعون بعد الأربعمائة

1, 2 لَئِنْ كانَ بَرْدُ المَاءِ هَيمَانَ صَادِيًا... إِلَيَّ حَبِيبًا إِنَّهَا لَحَبِيبُ أقول: قائله هو كثير عزة، وهو من قصيدة بائية، وأولها هو قوله 3: 1 - أبَى القَلْبُ إلا أُمَّ عَمْرٍو وَبَغَّضَتْ... إلَيَّ نِسَاءً مَا لَهُنَّ ذُنُوبُ 2 - حَلَفْتُ لَهَا بالمَأْزِمينِ وَزَمْزَمٍ... ولله فَوقَ الحَالِفِينَ رَقِيبُ 3 - لئن كان............................................... إلخ 4 - لعَمْرُ أبِيهَا إِنَّ دَهْرًا يَرُدُّهَا... إلَيَّ عَلَى شَحَطِ النَّوَى لَطَلُوبُ وهي من الطويل.
2 - قوله: "بالمأزمين" بالهمزة الساكنة بعد الميم وكسر الزاي المعجمة؛ تثنية مأزم، وهو كل طريق ضيق بين الجبلين، والمراد به: هو الموضع الذي بين عرفة والمشعر.
3 - قوله: "هيمان" بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف، وقال الأصمعي: الهيمان: العطشان، والهُيام بالضم: أشد العطش، ويروى: حران بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وهو العطشان- أيضًا، والأنثى حَرًّا مثل عطشى، والحرة -بكسر الحاء العطش، والحرار العطاش.
قوله: "صاديًا": اسم فاعل من الصدا، وهو العطش، وقد صدى يصدى صَدًا فهو صيدٍ وصاد وصديان وامرأة صديا.
4 - قوله: "على شحط النوى" الشحط -بفتح الشين المعجمة والحاء المهملة هو البعد، و "النوى" بفتح النون؛ هو الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد.
الإعراب: قوله: "لئن" اللام فيه تسمى اللام المؤذنة وتسمى الموطئة -أيضًا-، أما المؤذنة فللإيذان 4 بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط، وأما الموطئة فلأنها وطأت الجواب

للقسم، أي: مهدته له نحو [قوله تعالى] 1: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ [الحشر: 12].
وكلمة: "إن" للشرط، قوله: "كان برد" [فعل] 2 الشرط، وقوله: "إنها لحبيب": جواب الشرط، وقوله: "برد الماء" كلام إضافي مرفوع؛ لأنه اسم كان وخبره قوله: "حبيبًا".
قوله: "هيمان": حال من الياء في قوله: "إليّ" وتقدمت عليه مع كونه مجرورًا، تقديره: لئن كان برد الماء حبيبًا إليَّ حال كوني هيمان صاديًا إنها لحبيب، و "صاديًا" أيضًا حال؛ إما من الأحوال المترادفة أو من الأحوال المتداخلة، وقد أول الجمهور هذا بأن برد في "برد الماء" مصدر، وأن "هيمان" منصوب به على أنه مفعول به، وكأنه قال: لئن كان برد الماء جوفًا هيمان صاديًا إليَّ حبيبًا إنها لحبيب، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه 3، وأراد بالجوف جوف نفسه.
وقال أبو الفتح: يجوز أن يكون حران حالًا من الماء، أي: في حال حرارة الماء وصداه على حد المبالغة؛ لأنه [إذا] 4 عطش الماء فهو الغاية، وفيه بعد.
وهذه التأويلات كلها لأجل الهروب عن القول بجواز وقوع الحال من المجرور المتقدمة عليه؛ فلذلك أولوا هذه التأويلات، وقالوا أيضًا: فلو لم يؤول فلا حجة فيه؛ لأن الشعر يجيء فيه ما لا يسوغ في الكلام.
فإن اعتُرضَ عليهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]، فإن كافة حال من المجرور باللام وهو الناس، وقد تقدم عليه.
أجابوا بأن كافة حال من ضمير النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون المعنى؛ وما أرسلناك إلا كافًّا للناس، ودخلت التاء التي للمبالغة؛ كما في قولهم: رَاويَةُ الشِّعْرِ.
فإن قيل: باب به التاء للمبالغة مقصور على السماع، ولا يأتي غالبًا إلا على أحد أمثلة المبالغة؛ كنسابة وفروقة ومهذارة، وكافة بخلاف ذلك، فبطل أن تكون منها لكونها على فاعلة، فإن حملت على راوية حملت على شاذ الشاذ؛ لأن إلحاق تاء المبالغة أحد أمثلة المبالغة شاذ وإلحاقه لما لا مبالغة فيه أشذ.
قيل: هذا مجرد دعوى ولا برهان فيه، ولئن سلمنا ذلك فنقول: إن كافة مصدر؛ لأن الفاعل قد يجيء بمعنى المصدر؛ كالكاذبة والعاقبة فتكون كافة بمعنى كف وهو مصدر لفعل محذوفٍ

وهو يكف، أي: ما أرسلناك إلا لتكفى كفًّا، وقال الزمخشري: كافة صفة لمصدر محذوف، أي: إلا إرساله كافة شاملة لجميع الناس (1). الاستشهاد فيه: في قوله: "هيمان" فإنه حال من الياء في: "إليّ" كما ذكرناه مفصلًا (2).

جارٍ التحميل