المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الرابع والسبعون بعد المائة

2, 3 نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا... عِندَكَ راضٍ وَالرَّأيُ مُخْتلَفٌ أقول: قائله هو قيس بن الخطيم- بالخاء المعجمة بن عدي بن سود الظفري الأوسي، شاعر جاهلي من فحول الشعراء، وقال ابن هشام اللخمي: قائله هو عمرو بن امرئ القيس الأَنْصَارِيّ، وكذا قاله ابن بري، وهو من قصيدة فائية هي قوله 4: 1 - أبْلِغْ بَنِي جَحْجَبَى وَقَوْمَهُم... خَطْمَة أَنَّا وَرَاءَهُمْ أُنُفُ 2 - وَأَنَّنَا دُونَ مَا يَسُومُهُمْ الأ... عْدَاءَ منْ ضَيمِ خُطَّة نُكُفُ 5 3 - الحَافِظُو عَوْرَةِ العَشِيَرَةِ لا... يَأْتِيهِمُ مِنْ وَرَائنا وكفُ 4 - يَا مَالُ وَالسَّيدُ المعُمَّمُ قَدْ... يَطْرَأُ في بَعْضِ رَأيِهِ السَّرفُ 5 - نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا............................ إلخ 6 - نَحْنُ المكِيثُونَ حَيثُ يَحْمِدُنَا... الْمكثُ وَنَحْنُ المَصَالِتُ الأُنُفُ 7 - يَا مَالُ وَالحق إنْ قَنَعْتَ بهِ... فَالحقُّ فِيهِ لأَمْرِنَا نَصِفُ 8 - خَالفْت فيِ الرَّأْيِ كُل ذِي فَخَر... والْبَغْي يَا مَالِ غَيرُ مَا تَصِفُ 9 - إِن بُجَيرًا مَوْلَى لِقَوْمِكُم... وَالحَقّ نُوفيِ بِهِ وَنَعْتَرفُ وهي من المنسرح والقافية متراكب.1

وقال ابن بري: وسبب هذا الشعر أنَّه كان لمالك بن العجلان مولى يقال له بجير، جلس مع نفر من الأوس من بني عمرو بن عوف فتفاخروا فذكر بجيرٌ مالكَ بن العجلان ففضله على قومه، وكان سيد الحيين في زمانه، فغضب جماعة من كلام بجير وعدا عليه رجل من الأوس يقال له: سمير بن زيد بن مالك أحد بني عمرو بن عوف فقتله، فبعث بذلك إلى 1 بني عمرو بن عوف أن ابعثوا إليّ بسمير حتَّى أقتله بمولاي، وإلا جر ذلك الحرب بيننا فبعثوا إليه: إنَّا نعطيك الرضا فخذ منا عقله، فقال: لا آخذ إلَّا دية الصريح، وكانت دية الصريح ضعف دية المولى وهي عشرة من الإبل، ودية الولى خمس، فقالوا: إن هذا منك استذلال لنا وبغي علينا، فأبى مالك إلَّا أخذ دية الصريح، فوقعت بينهم الحرب إلى أن اتفقوا على الرضا بما يحكم به عمرو بن امرئ القيس، فحكم بأن يعطى دية الولى، فأبى مالك ونشبت الحرب بينهم مدة على ذلك فأنشد عمرو بن امرئ القيس هذه الأبيات.
1 - فقوله: "بني جَحْجَبى" -بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم والباء الموحدة، وبنو جحجبى من الْأَنصار، وهو جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، قوله: "خَطْمة" -بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء، وهو من الْأَنصار -أَيضًا-، وخطمة هو عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس، قيل له خطمة؛ لأنه ضرب رجلًا بسيفه على خطمه فسمي خطمة، قوله: "أُنُف" بضم الهمزة والنون يقال: روضة أنف: لم يرعها أحد، وكأس أنف: لم يشرب بها أحد قبل ذلك.
2 - قوله: "دون ما يسومهم الأعداء" أي: ما يطلبهم الأعداء، "من ضيم" أي: من ظلم خطة، أي: أمر وشأن، قوله: "نُكُف" -بضم النُّون والكاف؛ وهو جمع ناكف كتاجر وتجر، ويقال: نكفت من كذا، أو نكفت -أَيضًا- أي: استنكفت وأنفت منه، وارتفاعه على أنَّه خبر إن.
3 - قوله: "الحافظو عورة العشيرة" أصله: الحافظون، سقطت النُّون للإضافة، والعورة: مجرورة بالإضافة، وقد روي العورة بالنصب؛ فيكون حذف النُّون للتخفيف لا للإضافة، وهكذا استشهد به سيبويه 2، وقال أبو علي: والأكثر الجر، والعورة: ما لم يحم 3، وقال ثعلب: كل

مخوف عورة 1، وقال كراع: عورة الرَّجل في الحرب: ظهره وبذلك فسر هذا البيت، وعشيرة الرَّجل: الذين يعاشرهم من قومه ويعاشرونه، قوله: "من ورائنا" أي: من عيبتنا، فكنى بوراء عن ذلك، فامتدح بحفظهم عورة قومهم بظهر الغيب وأمنهم من ناحيتهم كل نقص وعيب، ويجوز أن يعني: من وراء حفظنا إياهم وذَبِّنا عن حماهم، فحذف المضاف الذي هو حفظ وأقام المضاف إليه مقامه، ومن روى: من ورائهم؛ فالمعنى فيه أوضح وحَمْل الضمير على العشيرة أرجح، قوله: "وكف" أي: عيب، وقيل: الوكف: الإثم، وقيل: الخوف، وقال الأصمعيّ: ليس عليك في ذلك من وكف أي: مكروه، ويقال: أي: نقص، ويروى: نطف وهو التهمة، قوله: "يَا مال" بكسر اللام، يريد به يَا مالك وهو مالك بن العجلان.
6 - قوله: "المكث" -بضم الميم وكسرها، وهو اسم المكث- بفتح الميم، وهو مصدر مكث إذا كان لبث وانتظر، قوله: "المصالت" بفتح الميم؛ جمع مِصلت بكسر الميم، يقال: رجل مِصلت إذا كان ماضيًا في الأمور، قوله: "الأنف" بضمتين أي: المتقدمون في الأمور.
7 - قوله: "نصف" أي: إنصاف.
9 - قوله: "إن بجيرًا" بضم الباء الموحدة وفتح الجيم ويكون الياءآخر الحروف وفي آخره راء.
الإعراب: قوله: "نحن" مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: نحن راضون، حذف الخبر احترازًا عن العبث وقصدًا للاختصار مع ضيق المقام 2، وقد تكلف فيه بعضهم منهم ابن كيسان 3، وقال: نحن هنا للمعظم نفسه، وأن قوله: "راض": خبر عنه 4، وفيه نظر؛ إذ لا يحفظ مثل: نحن قائم بل يجب في الخبر المطابقة؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: 165، 166] 5، قوله: "بما عندنا": يتعلق بالخبر المحذوف، قوله: "وأنت": مبتدأ

وخبره قوله: "راض" وقوله: "بما عندك" يتعلق به، قوله: "والرأي مختلف": جملة من المبتدأ والخبر وقعت حالًا.
الاستشهاد فيه: في قوله: "نحن بما عندنا" حيث حذف فيه الخبر وهو قوله: "راضون" وإنما حذف الخبر ها هنا لدلالة خبر المبتدأ الثاني عليه، وهو قليل وفيه شذوذ (1).

جارٍ التحميل