الشاهد الخامس والتسعون
1, 2
........................... مِنْ هَؤُلَيَّائِكُنَّ الضَّالِ وَالسَّمُرِ
أقول: قائله هو العرجي، واسمه عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس، وأمه آمنة بنت عمر بن عثمان، ولقب بالعرجي؛ لأنه كان يسكن عرج الطائف، وقيل: بل سمي بذلك لماء كان له ومال عليه بالعرج، وكان من شعراء قريش، وممن شهر بالغزل منها، ونحى نحو عمر بن أبي ربيعة في ذلك وتشبه به فأجاد، وكان مشغوفا باللهو، والصيد، حريصًا عليهما قليل المحاشاة لأحد فيهما، ولم يكن له نباهة في أهله، وكان أشقر أزرق جميل الوجه وكان يشبب بحيداء، وهي أم محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي وكان يتشبب بها ليفضح ابنها لا لمحبة [كانت] 3 بينهما، فكان ذلك سبب حبس محمد إياه وضربه له حتى مات في السجن، وكان يقول في حبسه قصيدته التي فيها 4:
أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا... لِيَوْمِ كَرِيَهة وَسَدَادِ ثَغْرٍ
قلت: محمد بن هشام المذكور هو خال هشام بن عبد الملك، وكان واليًا على مكة حين فعل بالعرجي ما فعل، وكان في الحبس تسع سنين ثم مات فيه بعد أن ضربه بالسياط وأشهر بالأسواق.
وصدر البيت المذكور:
يَا مَا أُمَيلحَ غِزْلانًا شَدَنَّ لَنَا..............................
وهو من قصيدة رائية من البسيط، ومن محاسن أبياتها:
بِالله يِا ظَبَيَاتَ القَاعِ قُلْنَ لَنَا... لَيْلايَ مِنْكُن أَمْ لَيلَى مِنَ البَشَرِ
قوله: "أميلح": تصغير من ملح الشيء ملاحةً، و"الغزلان": جمع غزال، قوله: "شدن" جمع مؤنث من فعل ماض، يقال: شدن الظباء 5 شدونًا إذا صلح جسمه، ويقال: شدن الظبي إذا قوي وطلع قرناه، واستغنى عن أمه، وربما قالوا: شدن المهر، فإذا أفردوا الشادن فهو ولد الظبية وأشدنت الظبية فهي مشدن، إذا شدن ولدها، والجمع: مشادن ومشادين، مثل: مطافل ومطافيل
قوله: "الضال" بالضاد المعجمة وتخفيف اللام؛ وهو السدر البري، والواحدة: الضالة بالتخفيف أيضًا، قال الفراء: أضيلت الأرض وأضالت إذا صار فيها الضال 1، وقال ابن الأثير: الضالة بتخفيف اللام، واحدة الضال، وهو شجر السدر من شجر الشوك، فإذا نبت على شط النهر 2 قيل له: العبرِيّ، وألفه منقلبة عن الياء 3.
قوله: "السمر" 4 بضم الميم؛ هو ضرب من شجر الطلح، الواحدة: سمرة، و "الظبيات" جمع ظبية و"القاع": المستوي من الأرض، ويجمع على: أقواع وأقوع وقيعان، والقيعة مثل القاع، ويقال هو جمع أيضًا.
الإعراب:
قوله: "يا ما أميلح غزلانًا" فعل التعجب، وأصله: ما أملح غزلانا، وقد علم أن صيغة التعجب نوعان: الأول: ما أفعله، والثاني: أفعل به، أما: ما أفعله فهو فعل عند البصريين، وقال الكوفيون: اسم، واحتجوا بالبيت المذكور؛ لأنه جاء فيه مصغرًا، والتصغير لا يكون إلا في الأسماء.
وأجاب البصريون عن ذلك بأنه شاذ، وأن التصغير للمصدر كأنه قال: ملاحة قليلة؛ كما يضاف إلى الفعل والمراد المصدر؛ كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119]، أي: يوم نفع الصادقين 5، ثم كلمة "ما" مبتدأ ونكرة، وقوله: "أميلح غزلانًا" خبره، تقديره: شيء زاد ملاحة غزلان، وهذا على أصل سيبويه في قولهم: ما أحسن زيدًا؟! 6
فإن قلتَ: لا تقع النكرة مبتدأ إلا بمخصص.
قلتُ: هذا من قبيل: شر أهر ذا ناب، وأما أصل الأخفش: فكلمة "ما" موصولة، والجملة بعدها صلتها، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: الذي زاد ملاحة غزلان شيء 7، ويقال: "ما"
استفهامية، وما بعدها خبرها، والتقدير: أي شيء زاد ملاحة غزلان (1)، وهذه التقديرات كلها باعتبار الأصل لا على أنها الآن بهذا المعنى؛ لأن معناها الآن إنشاء.
قوله: "شدن" الضمير فيه يرجع إلى الغزلان، وهي (2) في محل النصب على أنها صفة الغزلان، وقوله: "لنا" يتعلق بشدن، وكذلك قوله: "من هؤليائكن"، قوله: "الضال" مجرور بمن، و"السمر" عطف عليه.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "من هؤليائكن" حيث جاءت "أوليائكن" مقرونة بالهاء، و"أوليائكن" تصغير: أولئكن (3)، وإنما أتى بكن؛ لأنه خاطب مؤنثات بقوله:
بالله يا ظبيات القاع.................... إلخ