الشاهد التاسع بعد الأربعمائة
1، 2
وَقَالتْ مَتَى يُبْخَلْ عَلَيكَ وَيُعْتَلَلْ... يَسُؤْكَ وإنْ يُكْشَفْ غَرَامُكَ تَدَربِ
أقول: قيل: إن قائله هو علقمة بن عبدة التميمي.
وهو من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله 3:
1 - ذَهَبَتْ منَ الهجْرَانِ فيِ غَيرِ مَذْهَبِ... ولم يَكُ حَقًّا كُل هَذَا التَّجَنُّبِ
إلى أن قال:
2 - وَقَدْ وَعَدْتُكَ مَوْعِدًا لَوْ وَفَت بِهِ... كَمَوْعِدِ عُرْقُوبٍ أَخَاهُ بِيَثْرِب
3 - وقالت متى يبخل............................... إلى آخره
4 - فَقُلْتُ لَهَا فِيئي فَمَا يَسْتَفِزُّنِي... ذَوَاتُ العُيُونِ والبَنَانِ المُخَضَّبِ
5 - فَفَاءَت كَمَا فَاءَتْ مِنَ الأُدْمِ مُغزِلٌ... بِبِيشَةَ تَرعَى فيِ أَراكٍ وَحَلَّبِ
وقد روى بعضهم البيت المذكور في جملة قصيدة لامرئ القيس، وأولها هو قوله:
1 - خَليلَيّ مُرَّا [بِي] عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ... لنَقضِي حَاجَاتِ الفُؤَادِ المعُذَّبِ
2 - فإنكُمَا إِنْ تنظُرَانِي ساعَةٌ... مِنَ الدَّهْر تَنْفَعْنِي لَدَى أُمِّ جُنْدُبِ
إلى أن قال:
3 - فَإن تنأ عَنْهَا حِقبَةً لا تُلَاقِهَا... فَإنَّكَ مَّما أَحْدَثَتْ بالمُجرِّبِ
4 - وَقَالتْ مَتَى يُبْخَلْ عَلَيكَ وَيُعْتَلَلْ... يَسُؤكَ وإن يُكْشَفْ غَرَامُكَ تَدْوَبِ
ورأيته هكذا في ديوان امرئ القيس، وقال بعض شراحه: هذا البيت ليس في نسخة
اليزيدي، وقد قرأه أبو عمران على ابن دريد، والصحيح أنه من قصيدة امرئ القيس وقد شرحه الأعلم في أشعار الشعراء الستة في جملة قصيدة امرئ القيس 1، وقد ذكرنا فيما مضى غالب القصيدة المذكورة مع تفسيرها.
4 - قوله: "فيئي" أي: ارجعي؛ من فاء يفيء فيئًا إذا رجع.
5 - قوله: "ببيشة" البيشة بكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الشين المعجمة، وهو اسم موضع، و "الأراك": شجر السواك، و "حلب" بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام؛ نبت ترعاه الظباء.
4 - قوله: "يبخل ويعتلل" كلاهما مجهولان، ويعتلل من الاعتلال، قوله: "يسؤك": من ساء يسوء، ويروى: تشك بمعنى تشكو ذلك، قوله: "وإن يكشف" على صيغة المجهول -أيضًا-، و"الغرام": شدة العشق، يقال: أغرم بالشيء إذا أولع، قال الأعلم: الغرام: العناء والمشقة بحب النساء وهو العذاب -أيضًا- 2.
قوله: "تدرب": من الدربة وهي التجربة، ومنه يقال: فلان درب إذا كان مجربًا مؤدبًا، والتدريب في الحرب هو الصبر.
وحاصل المعنى: إن بخل عليك لها بالوصال واعتُلّ ساءك ذلك، وإن وُصلت وكشف غرامك كان ذلك عادة لك ودربة، وإنما بريد أنها كانت لا تقطع وصاله كل القطع فيحمله ذلك على اليأس والسلو، ولا تصله كل الوصل فيتعود ذلك ويستكثر منه حتى يدعوه إلى الملل.
الإعراب:
قوله: "متى يبخل": مقول [القول] 3، "ومتى": اسم شرط هاهنا، وجوابه قوله: "يسؤك": بالجزم؛ من ساءه يسوءه إذا أحزنه، قوله: "ويعتلل": عطف على قوله: "يبخل"، قوله: "وإن": حرف شرط، و"يكشف": فعل الشرط، و"تدرب": جزاء الشرط، وإنما حركت [بكسر] 4 الباء للضرورة.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ويعتلل" فإن النائب عن الفاعل فيه هو ضمير المصدر؛ أي: يعتلل هو؛ أي: الاعتلال
المعهود، والتقدير: يعتلل اعتلال عليك، فيقدر عليك هاهنا -أيضًا- لدلالة عليك في قوله: "متى يبخل عليك" عليها (1)، وقال ابن هشام في المغني: ولابد عندي من تقدير: "عليك" مدلولًا عليها بالمذكورة، وتكون حالًا من الضمير ليتقيد بها فيفيد ما لم يفده الفعل (2).