الشاهد الحادي والستون
3، 4 ............................... وَكَأَنَّ فِراقِيَهَا أَمَرُّ من الصَّبْرِ أقول: قائله هو يحيى بن طالب الحنفي، قاله حين حَنَّ إلى وطنه، وصدره: تَعَزَّيْتُ عَنْهَا كَارِهًا فَتَرَكْتُهَا.............................. وهي من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله: 1 - أحَقًّا عِبَادَ الله أَنْ لَسْتَ نَاظِرًا... إِلى قَرْقَرَى يَوْمًا وَأَعْلاقِهَا الغُبْرِ 2 - كَأَنَّ فُؤَادِي كُلَّمَا مَرَّ رَاكِبٌ... جناحُ غُرابٍ رَامَ نهضًا إلَى وَكْرِ 3 - إذا ارْتَحَلَتْ نَحْوَ اليمَامَةِ رُفْقَةٌ... دَعَاكَ الهَوَى وَاهْتَاجَ قَلْبُكَ للذِّكْرِ 4 - فَيَا رَاكِبَ الوَجْنَاءِ أُبْتُ مُسَلَّمًا... ولا زِلْتَ مِنْ رَيْبِ الحَوَادِثِ في سَتْرِ 5 - إذَا مَا أَتَيْتَ العِرْضَ فاهْتِفْ بِجَوِّه... سُقِيتَ عَلَى شَحَطِ النَّوَى سَبَل القَطْرِ12
6 - فَإِنَّكَ مِنْ وَادٍ إِلَيَّ مُرَحِّبٌ... وَإنْ كُنْتَ لا تُزَارُ إِلا عَلَى عُفْرِ
7 - فيا حزنَا ماذَا أُجِنُّ مِنَ الهَوَى... ومن مُضْمَرِ الشَّوْقِ الدَّخِيلِ إِلَى حِجْرِ
8 - تَعَزَّيْتُ عَنْهَا كَارِهًا فَتَرَكْتُهَا... وكأن فُرَاقِيهَا أمرُّ من الصبرِ
1 - قوله: "قوقرى" على وزن فعللى؛ اسم موضع، ويقال: قرقرى: [اسم] 1 ماء لبني عبس، قال الحطيئة 2:
بِذِي قَرْقَرَى إِذْ شُهَّدُ النَّاسِ حَوْلَنَا... فَأَسْدَيْتَ ما أَعْيا بِكَفَّيْكِ نائره
قوله: "الغبر" بضم الغين المعجمة وسكون الباء الموحدة؛ جمع أغبر، و "الوجناء": الناقة الشديدة، شبهت بصلابتها بالوجين، وهو ما غلظ من الأرض.
4 - [قوله: "] 3 أبت" أي: رجعت، من آب يئوب أوبًا، وهو الرجوع.
5 - قوله: "إذا ما أتيت العرض" بكسر العين المهملة وسكون الراء وفي آخره ضاد معجمة وهو اسم واد باليمامة، وكلُّ واد فيه شجر فهو عِرْضٌ 4، قوله: "فاهتف" أمر، من هتف إذا صاح، يقال: هتفت الحمامة تهتف هتفًا، من باب ضرب يضرب، و "الجوّ" بفتح الجيم وتشديد الواو؛ اسم بلد باليمامة 5، و "الشحط": البعد، و "النوى": التحول من واد إلى واد، و"السبل" بتحريك الباء؛ المطر.
6 - قوله: "إلا على عفر" بضم العين المهملة وسكون الفاء، يقال: لقيت فلانًا على عفر، أي بَعْدَ شهر ونحوه.
7 - قوله: "إلى حجر" بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم، وهو حجر الكعبة [المشرفة] 6 - شرفها الله تعالى- ولكنه ذكره وأراد به الكعبة التي كانت [في] 7 وطنه.
8 - قوله: "تعزيت" بالعين المهملة والزاي المعجمة؛ من العزاء وهو الصبر والتأسّي، وقد ضبطه بعضهم بالغين المعجمة والراء المهملة، وهو من التغرب، وله وجه، والأول أصح وأشهر.
الإعراب:
قوله: "تعزيت": جملة من الفعل والفاعل، و "عنها" يتعلق به، والضمير يرجع إلى الحجر، و"كارها": نصب على الحال من التاء في تعزيت، قوله: "فتركتها" عطف على قوله: "تعزيت" والضمير فيه -أيضًا- يرجع إلى الحجر، قوله: "وكان" من النواقص، و "فراقيها" كلام إضافي اسمه.
وقوله: "أمر من الصبر": خبره، وأمرُّ: أفعل تفضيل فلذلك استعمل بمن.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فراقيها" حيث جاء الضمير فيه متصلًا لضرورة الوزن، وإلا لكان الأحسن أن يكون منفصلًا نحو: وكان فراقي إياها، وذلك أن الضمير المنصوب بمصدر مضاف إلى ضمير قبله هو فاعل يجوز فيه الاتصال والانفصال، ولكن الانفصال أحسن؛ إلا أن ها هنا جاز الاتصال للضرورة (1).