الشاهد الثالث والأربعون بعد التسعمائة
1، 2
رَضِيتُ بِكَ اللَّهُمَّ رَبًّا فَلَنْ أُرَى... أدِينُ إِلَهًا غَيْرَكَ اللهُ رَاضِيًا
أقول: قائله هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وهو من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله 3:
1 - إلَى الله أُهْدِي مِدْحَتِي وثَنَائِيَا... وقَوْلًا رَصِينًا لَا يَفي الدَّهْرَ بَاقِيَا
2 - إلَى الملَكِ الأَعلَى الذِي لَيْسَ فَوقَهُ إِلَهٌ... ولَا رَبٌّ يَكُونُ مُدَانِيَا
3 - ألا أيُّهَا الإِنْسَانُ إيَّاكَ والرَّدَى... فإنَّكَ لَا تَخْفَى مِنَ الله خَافِيَا
4 - وإِيَّاكَ لا تَجْعَلْ مَعَ الله غَيرَهُ... فإن سبِيلَ الرُّشدِ أَصْبَحَ باديَا
5 - حَنَانَيكَ إنَّ الجِنَّ كُنْتَ رَجَاءَهُمْ... وأَنتَ إِلَهِي رَبَّنَا ورَجَائِيَا
6 - رضِيتُ بكَ اللَّهُمَّ...................................... إلخ
وأنتَ الذِي مِن فَضْلِ مَنٌّ ورَحْمَةٍ... بَعَثْتَ إلَى مُوسَى رَسُولًا مُنَادِيًا
قوله: "رصينًا" أي: محكمًا، قوله: "باقيًا" صفة لقوله: "رصينًا"، و"الدهر": نصب = اليمامة، يعني: أهل اليمامة، فأنث الفعل في اللفظ؛ إذ جعله في اللفظ لليمامة، فترك اللفظ يكون على ما يكون عليه في سعة الكلام، ومثله في هذا: يا طلحة أقبل؛ لأن أكثر ما يدعو طلحة بالترخيم فترك الحاء على حالها، ويا تيم تيم عدي أقبل.
وقال الشاعر: يا تيمُ تيمَ عَدِيٍّ لا أبا لكُمُ... لا يُلقِيَنَّكُمْ في سَوْأةٍ عُمَرُ وسترى هذا مبينًا في مواضعه".
الكتاب (1/ 53)، وينظر (2/ 205، 206). وقال المرادي: "والأول في نحو: يا تيم تيم عدي مضموم أو منصوب، والثاني منصوب لا غير، وجه ضم الأول أنَّه منادى مفرد، ونصب الثاني حينئذ على أنَّه منادى مضاف، أو بإضمار أعني، أو توكيدًا أو عطف لبيان أو بدل.... وأما نصب الأول ففيه أوجه: أحدها أن يكون مضافًا إلى ما أضيف إليه الثاني تقديرًا، والثاني على ما سبق، وهذا مذهب المبرد.
الثاني: أن تجعل الاسمين اسمًا واحدًا بالتركيب؛ كما فعل في نحو: لا ماء ماء باردًا... وهذا مذهب الأعلم ففتحة الأول والثاني على هذا بناء.
الثالث: أن تنوي إضافة الأول إلى الثالث ويجعل الثاني مقحمًا وهو مذهب سيبويه، قيل: وعلى مذهب سيبويه فنصب الثاني على التوكيد إذ هو مقحم.... ولا يجوز فيه البدل لأن الاسم لا يبدل منه إلا بعد كماله، ولا يكمل زيد إلا بما أضيف إليه، وكذلك عطف البيان".
ينظر شرح التسهيل للمرادي (32 - 34)، باب النداء "دكتوراه" باسم: عبد الهادي أحمد فراج سليمان، وينظر المقتضب (4/ 227)، والأعلم وأثره في النحو مع تحقيق شرح أبيات الجمل: "دكتوراه" بالأزهر رقم (173) (1/ 270)، (2/ 147)، تحقيق د: محمد شعبان.
على الظرف، قوله: "مدانيًا" أي: مقاربًا، و"الردى": الهلاك، وأراد به العمل الَّذي يؤدي إلى الهلاك، قوله: "باديًا" أي: ظاهرًا.
قوله: "حنانيك": مصدر مثنى كلبيك، والمعنى: تحننًا بعد تحنن غير منقطع إليك، وقال ابن يعيش: التحنن: الرحمة والخير، وقد استعمل مفردًا -أيضًا -كما في قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَّدُنًا﴾ [مريم: 13] أي: رحمة 1.
قوله: "رسولًا مناديًا" أراد به جبريل الَّذي أنزله الله - تعالى - إلى موسى - عليه السلام -.
الإعراب:
قوله: "رضيت": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "بك": جار ومجرور في محل النصب على المفعولية، [وقوله] 2 "اللَّهم" أصله: يا الله كما علم، قوله: "ربًّا": منصوب على التمييز، والتمييز لان كان في الأصل أن يكون في المعنى فاعلًا فقد يكون مفعولًا -أيضًا-؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوُنًا﴾ [القمر: 12]، ويجوز أن يكون منصوبًا على المفعولية؛ لأن رضي إذا عدي بالباء يتعدى إلى مفعول آخر.
قوله: "فلن أرى" الفاء تصلح أن تكون للتفسير، وتصلح أن تكون جواب شرط محذوف، أي: إذا رضيت بك ربًّا فلن أرى، وهو من الرأي في الأمر، وقوله: "إلهًا" [منصوب] 3 بقوله: أدين، و"غيرك": كلام إضافي صفته.
قوله: "راضيًا" نصب على أنَّه مفعول: رضيت، وهذا من قبيل قولك: قمت قائمًا، أي: قيامًا، والمعنى هاهنا: رضيت رضًا بك ربًّا، يعني: قنعت بك واكتفيت بك ولم أطلب ربًّا غيرك، ويروى: ثانيًا في موضع راضيَا على أنَّه صفة لقوله: "إلهًا".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "اللهَ" حيث حذف منه حرف النداء؛ إذ أصله: يا ألله، وقد علم أن حرف النداء لا يحذف من اسم اللَّه إذا لم تعوض الميم، ولكن قد أجاز ذلك بعضهم بدون التعويض مستدلًا بالبيت المذكور 4.