المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الحادي والعشرون بعد الثلاثمائة

الشاهد الحادي والعشرون بعد الثلاثمائة

3، 4 ألَا طِعَانَ ألَا فِرْسَانَ عَادِيَةً... الا تَجَشؤَكُم حَوْلَ التنانِيرِ أقول: قائله هو حسان بن ثابت [الأنصاري] 5 -رضي الله تعالى عنه- وهو من قصيدة يهجو بها الحارث بن كعب المجاشعي، وأولها هو قوله 6: 1 - حارِ بنَ كعبِ ألَا أَحلَامُ تَزجرُكُم... عَنا وَأَنْتُمْ من الجوفِ الجماخيرِ 2 - لَا بأسَ بالقومِ منْ طولٍ ومنْ عِظَمٍ... جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ 3 - ذرُوا التخاجؤَ وامشوا مِشيةَ سُجُحًا... إن الرجال ذوو عَصْبٍ وتذكيرِ 4 - ألا طعان............................................... إلى آخره 5 - كأنكمْ خُشُبٌ جوفٌ أسافلهُ... مثقّبٌ لفحتْ فيه الأعاصيرُ 6 - لا ينفعُ الطولُ منْ نُوكِ الرجالِ ولا... يَهدِي الإلهُ سبيلَ العشرِ البُورِ 7 - إنِّي سَأَقْصُرُ عِرْضِي عنْ شِراركم... إنّ النجاشيَ لشيءٌ غيرُ مذكورِ 8 - ألفَى أباهُ وألفى جدَّه حسبًا... بمعزلِ عن مساعِي المجدِ والخيرِ وهي من البسيط.12

1 - قوله: "حار بن كعب": منادى مرخم؛ يعني: يا حارث بن كعب، قوله: "ألا أحلام": جمع حلم - بالضم وهو العقل، قوله: "تزجركم عنا" أي: عن هجائنا.
وذلك أن الشاعر النجاشي هجا بني النجار من الأنصار، فشكوا ذلك لحسان -رضي الله تعالى عنه- فقال هذه الأبيات، ثم قال: ألقوا بها على صبيان المكانب ففعلوا، فبلغ ذلك بني عبد المدان، فأوثقوا النجاشي وأتوا به إلى حسان وحكموه فيه فأمر بالناس فحضروا وجلس على سرير وأحضره موثقًا فنظر إليه مليًّا، ثم قال لابنه عبد الرحمن: هات الدراهم التي تصيب من جهة معاوية وائتني ببغلة، ففك وثاقه وأعطاه الدراهم وأركبه البغلة فشكره الناس، قوله: "الجوف" بضم الجيم؛ جمع أجوف كالسود جمع أسود وهو الواسع الجوف، قوله: "الجماخير": جمع جمخور بضم الجيم وسكون الميم وضم الخاء المعجمة، وهو العظيم الجسم القليل العقل والقوة، وأفرد في البيت الثاني الجسم وجمع الحلم، وكان القياس العكس؛ لأن وضع الجسم للواحد والحلم للجنس، ويجمع كل منهما على أفعال وفعول، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: 4]، [وقوله تعالى 1] ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ [الطور: 32]، وقال الشاعر 2: هلْ مِنْ حلُومٍ لأَقْوَامٍ فتُنْذِرَهُم... مَا جَرَّبَ الدهرُ مِنْ عَصْبٍ وتَضْرِيسِ وقال الآخر: وَلَكِني بُلِيتُ بِوَصلِ قَوْمٍ... لَهُم لحمٌ وَمَنْكَرَةٌ جُسُومُ وروي أن بني عبد المدان كانوا يفخرون بعظم أجسامهم حتى قال فيهم حسان هذا الشعر فتركوا ذلك، ثم إنهم قالوا له - رضي الله عنه - أفسدت علينا أجسادنا، فقال 3: وقدْ كنَّا نَقُولُ إِذَا أَتينَا... لِذِي حسَبٍ يُعَدُّ وذِي بيانِ كأنكَ أيُّهَا المعطى بيانًا... وجِسْمًا مِنْ بَنِي عبدِ المدانِ فعادوا إلى الافتخار بذلك.

3 - قوله: "ذروا" أي: اتركوا التخاجؤ، وهو مشي فيه تبختر، وهو بالخاء المعجمة ثم الجيم، قوله: "سُجُحًا" بالسين المهملة والجيم والحاء المهملة؛ وهو السهل الحسن، قوله: "ذوو عصب" بالعين والصاد المهملتين؛ وهو شدة الخلق.
5 - قوله: "لفحت" بالفاء والحاء المهملة؛ أي: أحرقت، يقال: لفحته النار والشمس أحرقته، و"الأعاصير" بالرفع، وفيه الإقواء؛ لأن بقية القافية مجرورة، وهو جمع إعصار، وهو ريح تثير سحابًا ذات رعد وبرق.
6 - قوله: "نوك الرجال" النوك -بضم النون جمع أنوك وهو الأحمق، و "البور" بضم الباء الموحدة؛ جمع بائر وهو الهالك.
8 - قوله: "ألفى" أي؛ وجد، قوله: "بمعزل" وهو المكان المنعزل عن الأماكن، و "المساعي": ما يسعى له الإنسان من خير وشر، و "المجد": الكرم والشرف، و "الخير" بالخاء المعجمة المكسورة؛ الكرم.
4 - قوله: "ألا طعان" من طاعن يطاعن مطاعنة وطعانًا، و "الفرسان": الفوارس، وهو جمع فارس، وهو جمع شاذ لا يقاس عليه؛ لأن فواعل إنما هو جمع فاعلة مثل: ضاربة وضوارب ويجمع فاعل إذا كان صفة للمؤنث مثل: حائض وحوائض، وما كان لغير الآدميين مثل: جمل بازل وجمال بوازل وحائط وحوائط، فأما مذكر ما يعقل فلم يجمع عليه إلا فوارس، وذلك لأنه لا يكون في المؤنث فلا يخاف فيه اللبس 1. قوله: "عادية" بالعين المهملة؛ من العدو، ويقال: بالغين المعجمة من الغدو الذي يقابل الرواح، وقال أبو الحسن: بالمهملة أحب إلي؛ لأن العادية تكون بالغداة وغيرها 2، قوله: "ألا تجشؤكم": بالجيم والشين المعجمة؛ من تجشأت تجشؤًا [وهو من الجشاء] 3، وهو دليل الامتلاء من الطعام، ويقال: بالحاء والسين المهملتين من الاحتساء، قوله: "التنانير" وهو جمع التنور وهو ما يخبز فيه.

الإعراب: قوله: "ألا طعان" الهمزة للاستفهام دخلت على لا النافية للجنس قصد بها التوبيخ والإنكار، و "طعان": اسم لا، وليس لها خبر عند سيبويه والخليل لأنها بمنزلة ليت (1)، وعند غيرهما الخبر محذوف؛ أي: ألا طعان موجود (2)، وكذا قوله: "ألا فرسان" [وفي كتاب سيبويه: ولا فرسان بواو العطف (3)، قوله: "عادية" بالنصب على الحال من فرسان] (4)، ويروى: عادية بالوفع، فإن صح فوجهه أن يكون خبرًا.
قوله: "إلا تجشؤكم": استثناء منقطع، ويقال بالرفع على أن "إلا" صفة بمعنى غير، وقال النحاس في شرح أبيات سيبويه: ورواية أبي الحسن: إلا تجشؤكم بالنصب، وقال: استثناء ليس من الأول وهو عندي الصواب، والأول غلط؛ يعني الوفع (5). والمعنى: ألا طعان عندكم ولا فرسان منكم يعدون على أعدائهم؛ أي: لستم بأهل حرب وإنما أنتم أهل أكل وشرب، قوله: "حول التنانير": كلام إضافي منصوب على الظرف.
الاستشهاد فيه.
في قوله: "ألا طعان" حيث جاء فيه: "ألا" للتوبيخ والإنكار مع بقاء عملها (6).

جارٍ التحميل