الشاهد الخامس والخمسون بعد المائتين
1، 2 أبُنَيّ إن أبَاكَ كارِبُ يَوْمِه... فإذا دُعيتَ إلى المكَارِمِ فاعْجَلِ أقول: قائله هو عبد قيس بن خفاف من بني عمرو بن حنظلة من البراجم، وهو من قصيدة لامية، وأولها هذا البيت وبعده: 2 - أُوصِيكَ إيصَاءَ امرئٍ لَكَ ناصحٍ... طبن بريبِ الدَّهْرِ غَيرِ مُغَفَّل 3 - الله فاتّقِهِ وأوْفِ بنذْرِهِ... وإذا حلفْتَ مُمَارِيًا فتحلَّلِ 4 - والضيفَ اكْرِمْهُ فإنَّ مَبِيتَهُ... حَق ولا تَكُ لُعْنَةً للنُّزَّلِ 5 - واعلم بأنَّ الضيفَ مُخبِرُ أَهْلِه... بمَبيتِ لَيلَتهِ وإنْ لَم يُسْألِ 6 - وَدَع القوارصَ للصديقِ وغَيرهُ... كَيلَا يَرَوْكَ من اللَّئامِ العُزّلِ 7 - وَصِلِ الموُاصِل ما صَفَا لَكَ وُدُّهُ... واحْذَرْ حِبال الخائنِ المتبذِّلِ 8 - واتْرُكْ مَحل السوء لا تحلُلْ بِهِ... وإذَا نَبَا بِكَ مَنْزِلٌ فَتحوَّلِ 9 - دَارُ الهَوانِ لِمَنْ رَآهَا دَارَهُ... أَفَراحِلٌ عَنْهَا كمن لَم يَرْحَلِ؟ 10 - وإذَا هَمَمْتَ بأمْرِ شَرّ فَاتَّئِدْ... وإذَا هَمَمْتَ بأمْرِ خَيرٍ فافْعَلِ 11 - وإذَا أَتَتْكَ من العدِّو قَوارصٌ... فاقْرصْ كَذَاك ولا تَقُلْ لَم أَفْعَلِ 12 - وإذا افتقرْتَ فلا تكُنْ مُتَخشِّعًا... تَرجُو الفواضِل عند غيرِ المفضِلِ 13 - وإذا لَقَيتَ القومَ فَاضْرِبْ فيهمُ... حَتَّى يَرَوْك طِلاءَ أجْرَبَ مُهْمَلِ 14 - واستغْنِ ما أغْنَاكَ رَبُّك بالغِنَى... وإذْا تُصْبكَ خَصَاصةٌ فتجمَّلِ 15 - واسْتَأْنِ حِلْمَك في أُمُورِكَ كلِّها... وإذا عَزَمْتَ علَى الْهَوى فَتَوكّلِ 16 - وإذَا لَقيتَ الباهِشِينَ إلى النَّدى... غُبْرًا أكُفُّهُمُ بِقَاع مُمْحِلِ 17 - فَأَعنْهُمْ وايسِرْ بما يَسَّرُوا بِهِ... وإذا هُمُو نَزَلُوا بِضنْكٍ فانْزِلِ [وهي من الكامل] 3.
1 - قوله: "أبني إن أباك" ويروى: أُحْبَيْلُ، قوله: "إلى المكارم": ويروى إلى العظائم، قوله: "طبن" بفتح الطاء المهملة وكسر الباء الموحدة وفي آخره نون؛ وهو الحاذق، يقال: رجل طبن تبن إذا كان عاقلًا بصيرًا؛ من الطبانة وإقإدة، ووروى: طب بريب الدهر وهو أَيضًا بمعناه.
4 - قوله: "ولا تك لُعَنة" بضم اللام [وفتح العين] 1، يقال: رجل لعْنَة: إذا كان يُلْعَن، ولُعَنة -بضم اللام وفتح العين-: إذا كان يَلْعَن ومثله: ضُحْكَة وضُحَكة، و"النُزّل" بضم النُّون وتشديد الزاي؛ جمع نازل وهو الضيف.
6 - قوله: "ودع القوارض" أي: اتركها، والقوارض -بالقاف المثالب، قوله: "وإذا نبا بِك" أي: ترفع؛ من النبوة وهو الارتفاع.
9 - قوله: "فاتئد" أي: تأن ولا تستعجل.
13 - قوله: "مُهْمل" أي: متروك.
14 - قوله: "خصاصة" أي: حاجة وشدة، قوله: "فتجمل" بالجيم.
15 - قوله: "واستأن": من الأناة، قوله: "وإذا عزمت على الهوى" أي: إذا هممت.
16 - قوله: "الباهشين" قال الضَّبِّيّ: "الباهش": "الفزع، و"القاع": الموضع الصلب الحُر الطِّين 2، الواسع يمسك الماء، و"ممحل": من المحل وهو الجدب.
17 - قوله: "وايسر بما يسروا به" أي: أسرع إلى حَاجَتهم 3، و"الضنك": الضيق، أي: واسهم في ضيقهم.
الإعراب:
قوله: "أبني" الهمزة فيه حرف النداء؛ يعني: يا بني، قوله: "إن أَبَاك" إن: حرف من الحروف المشبهة بالفعل، و"أَبَاك": كلام إضافي اسمه، و"كارب يومه": خبره، قوله: "فإذا": للشرط، قوله: "دُعِيت": على صيغة المجهول، جملة وقعت فعل الشرط، وقوله: "فاعجل": جواب الشرط، وقوله: "إلى المكارم": يتعلق بقوله: "دعيت".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "كارب يومه" حيث استعمل فيه من كرب صيغة اسم الفاعل، وقد أوله بعضهم منهم الجوهري أنَّه اسم فاعل من كرب التامة في نحو قولهم: كرب الشتاء؛ أي: قرُب، وليس هي من
كرب من أفعال المقاربة التي تستدعي الاسم والخبر (1).