الشاهد الأول بعد الألف
2، 3
يَا أيُّهَا المائِحُ دَلْوي دُونَكَا... إِنِّي رأيتُ الناسَ يحْمَدُونَكَا
أقول: قالت هذا جارية من بني مازن، وقصته ما روى البراء بن عازب - رضي الله عنه - أنه قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بئر ذمة فنزل فيها ستة ماحة، ونزل فيها ناجية بن جندب الأسلمي - رضي الله عنه - بأمر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأدلت جارية من بني مازن دلوها، وقالت:
1 - يا أيُّهَا المائِحُ دَلْوِي دُونَكَا... إِنِّي رأيتُ الناسَ يحْمَدُونَكَا
2 - يُثْنُونَ خيرًا ويُمَجِّدُونَكَا... خُذْهَا إليكَ اشْغلْ بِهَا يمِينَكَا
فأجابها ناجية 4:
1 - قد علمت جارية يَمَانِية... أنِّي أنَا المائحُ واسْمِي نَاجِيَةْ
2 - وطَعنَةٍ ذاتِ رَشَاشٍ واهِيَةْ... طَعنْتُهَا تَحتَ صُدُورِ العَاديَة
كذا ذكره الصاغاني في العباب، وقوله: "بئر ذمة" أي: قليلة الماء، وكذا بئر ذميم.
الإعراب:
قوله: "يا أيها" أي: منادى مفرد معرفة والهاء مقحمة للتنبيه، و "المائح": صفة المنادى، وهو بالحاء المهملة؛ من الميح، يقال: ماح إذا انحدر في الركيّ فملأ الدلو وهو مائح، وقال الجوهري: المائِحُ: الذي يَنزِلُ البئرَ فيملَأُ الدلوَ إذا قلَّ ماؤُهَا، والجمعُ: ماحةٌ 5.1
قوله: "دلوي" إما مبتدأ، ودونكا خبره، وإما معمول دونكا على الاختلاف على ما يجيء بيانه الآن مفصلًا.
قوله: "إني" الضمير المتصل اسم إن، و "رأيت الناس": خبرها، و "الناس": مفعول رأيت، و "يحمدونكا": جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل النصب على أنها مفعول ثان إذا كانت الرؤية قلبية، وإن كانت بصرية تكون في موضع الحال فافهم، والألف في: "يحمدونكا ودونكا" للإشباع.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "دلوي دونكا" حيث استدل به الكسائي على جواز تقديم معمول اسم الفعل عليه، فإن قوله: "دونكا" اسم فعل، ودلوي معموله مقدمًا، والتقدير: "دونك [دلوي"] (1)؛ كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 24] والتقدير عنده: عليكم كتاب الله (2).
وتأول البصريون ذلك على أن يكون كتاب الله منصوبًا على المصدر؛ أي: كتب الله ذلك عليكم كتابًا، ويكون نحو قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: 6]، أو على أن يكون مفعولًا بفعل مضمر، أي: الزموا كتاب الله، وكذلك: دلوي دونكا، تأولوه على أن يكون مرفوعًا بالابتداء، ودونكا: خبره، أو يكون منصوبًا بفعل محذوف تقديره: تناول دلوي.
فافهم (3).