الشاهد التاسع والتسعون بعد الثلاثمائة
3، 4 جَزَى رَبه عني عَدِيّ بنَ حَاتِمِ... جزَاءَ الكِلَابِ العَاويَاتِ وقَد فَعَلْ أقول: قد قيل: إن قائله هو النابغة الذبياني، وقال أبو عبيدة: قائله هو عبد الله بن همارق أحد بني عبد الله بن غطفان، وحكى الأعلم أنه لأبي الأسود الدؤلي يهجو عدي بن حاتم الطائي، وقد قيل: إن قائله لم يعلم حتى قال ابن كيسان: أحسبه مولدًا مصنوعًا 5، وفي صدره خلاف فوقع في رواية القياسي 6: جزى اللَّه عبسًا والجزاء بكفه............................... ووقع في رواية أبي عبيدة 7: جَزَى الله عبسًا عَبسَ آل بغيضٍ.................................. وكان بنو عبس قد حالفوا ربيعة بن شكل بن كعب بن الجريس بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة إلى أن قال النابغة أو عبد الله بن همارق هذا البيت وبيتين آخرين بعده، وهما:12
2 - فأصبَحْتُمُ والله يَفْعَلُ ذَاكُم... يَنُولُ النسَاءَ المُرْضِعَاتِ بنُو شكَلْ
3 - إذا شاءَ منهم ناشئ دربختْ له... لطيفَةٌ طي الكَشْحِ رابِيَة الكَفَلْ
وهي 1 من الطويل.
1 - قوله: "العاويات": جمع عاوية؛ من عوى الكلب والذئب، وابن آوى يعوي عواء صاح، ويقال لصوت الكلب: النباح -أيضًا- والضغاء والتضور والزئير والوهوهة، وإذا كان من صدره فهو الهرير، واختلف في المراد بجزاء الكلاب العاويات، فقيل: هو الضرب والرمي بالحجارة، وقال الأعلم: وهذا ليس بشيء وإنما دعا عليه بالأنبه؛ إذ الكلاب تتعاوى عند طلب السفاد، قال: وهذا من ألطف الهجو.
3 - قوله: "ناشئ" بالهمز في آخره، وهو الحدث الذي قد جاوز حد الصغر، والجارية ناشئ -أيضًا-، قوله: "دربخت له" أي: خضعت له وطاوعته، و "الكشح": ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، قوله: "رابية الكفل" أي: عالية الكفل، وأراد به غلظ كفلها وسمنه.
الإعراب:
قوله: "جزى": فعل ماض، و "ربه": [كلام إضافي] 2 فاعله [و "عدي بن حاتم": مفعوله] (3)، و "جزاء الكلاب": كلام إضافي نصب على المصدرية أو بنزع الخافض؛ أي: كجزاء الكلاب، والتقدير: جزاء كجزاء الكلاب، و "العاويات" بالجر صفة للكلاب، قوله: "وقد فعل" الواو للحال، أي: وقد فعل اللَّه ذلك أي الجزاء، ونظير هذا قول المتنبي 3:
وهذَا دُعاءٌ لوْ سكت كفيتُهُ... لأَنِّي سألتُ الله فيكَ وقد فَعَلْ
الاستشهاد فيه:
في قوله: "جزى ربُّه" حيث احتج به الأخفش وجماعة من المتأخرين على صحة القول بنحو 4:
..................................... زان نوره الشجر
والجمهور على المنع، سواء كان في نثر أو نظم 1، وأجابوا عن البيت بأن الضمير في ربه يرجع إلى الجزاء المدلول عليه بلفظ الفعل؛ كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8] أي: جزى رب الجزاء عني عدي بن حاتم، وليس هو راجعًا إلى عدي بن حاتم، أو يقال: إنه ضرورة 2، وقال ابن كيسان: إنه شاذ، أو تكون الكناية لغير عدي بن حاتم، فكأنه وصف رجلًا أحسن إليه ثم قال: جزاه ربه عني خيرًا، وجزى عني عدي بن حاتم شرًّا، فحينئذ لا شذوذ في البيت 3. قلتُ: لا يخفى ما في هذا التأويل من الوهي لكثرة الحذف وادعاء حذف ما لا دليل عليه فافهم.