الشاهد السادس والسبعون
2, 3 أَرِيني جَوَادًا ماتَ هَزْلًا لعَلّنِي... أرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلّدَا أقول: قائله هو حاتم بن عدي الطائي، كذا قال 4 جماعة من النحاة، منهم الشيخ أثير الدين 5، وذُكِرَ في الحماستين البصرية وأبي تمام أن قائله هو حطائِط بن يعفر أخو الأسود النهشلي، قال أبو تمام: قال حطائِط بن يعفر 6: 1 - تقول ابنةُ العَبَّاب رُهْمُ حَربْتَنَا... حَطَائطُ لُمْ تتْرُكْ لنفسِك مَقْعَدًا 2 - إذا ما أفَدْنَا صِرْمةً بعد هجمة... تكونُ عليها كابْنِ أمِّك أسْوَدَا 3 - فقلتُ ولم أَعْيَ الجوابَ تثبتي... أكان الهُزَال حتف زيدٍ وأرْبَدَا 4 - ذَرِيني أكنْ للمالِ ربًّا ولم يكنْ... لي المالُ ربًّا تحمدي غيّه غدا 5 - أريِني جَوَادًا مات هزلًا لعلني... أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدًا والذي قاله الجماعة هو الأصح، فلعل حطائط بن يعفر أدخل هذا البيتَ في شعره عمدًا أو يكون هذا من تَوَارُد الخواطر، وهو من قصيدة قالها حاتم الطائي، وأولها هو قوله 7:1
1 - وَعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي... وقد غاب عَيُّوقُ الثُّرَيَّا فعَرَّدا
2 - تلومُ على إعطائِي المال ضِلَّةً... إذا ضنَّ بالمال البخيلُ وَصرَّدا
3 - تقول ألا أَمْسِكْ عليك فإنني... أرى المال عند المُمْسِكينَ مُعَبَّدَا
4 - ذريني وحَالِي إنَّ مالك وَافِرٌ... وكلُّ امريُ جارٍ على ما تعوّدا 1
5 - ذريني يكنْ مالي لِعِرْضِي جُنّةً... يقي المالُ عِرْضِي قبل أنْ يَتَبدّدا
6 - أَرِينِي جَوَادًا ماتَ هَزْلًا لعَلّنِي... أرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلّدَا
7 - وإلا فَكُفِّي بعضَ لومِكِ واجعلي... إلى رَأْيِ مَنْ تَلْحَيْنَ رَأيكِ مُسْنَدَا
8 - أَلَمْ تعلمي أني إذا الضيفُ نَابَنِي... وعزَّ القِرَى أَقْرِي السَّدِيفَ المُسَرْهَدَا
9 - وإني لأعراضِ العشيرةِ حافظٌ... وحقَّهم حتى أكونَ مُسَوًدا
10 - يقولونُ لي أهلكتَ مالك فاقْتَصِدْ... وما كنتُ لولا ما يقولُونَ مُفْسِدَا
11 - سأَدْخَرُ من مالي دِلاصًا وَسَابِحًا... وأَسْمَرَ خَطَيًّا وعَضْبًا مُهَنَّدا
12 - وَذَلِكَ يكْفِيني مِن المالِ كله... مَصُونًا إذا ما كان عندي مُتْلَدا
وكلتا القصيدتين من الطويل.
[شرح قصيدة حطائط]:
1 - قوله: "ابنة العباب" وهي امرأة من بني عجل، من بطن منهم يقال لهم: العبّاب، قال أبو رياش 2: ليس في العرب عباب غيره، وكانت ابنةُ العباب هذه امرأة حطائط، قوله: "رهم" بدل من ابنة العباب، و "حطائط" منادى مفرد، قوله: "لم تترك لنفسك مقعدًا" أي لم تبق لك ما يمكنك الإقامة والقعود فيه.
2 - قوله: "صرمة بعد هجمة" الصرمة بكسر الصاد وسكون الراء المهملتين؛ القطعة من الإبل نحو الثلاثين، والهجمة بفتح الهاء وسكون الجيم، قال أبو عبيد: هي من الإبل، أولها الأربعون إلى ما زاد 3، قوله: "تكون عليها كابن أمك أسودا" أي: تعود عليها سالكًا طريق أخيك الأسود بن يعفر 4.
3 - قوله: "حتف زيد"، ويروى: حتف نهد، وقيل: إن نهدًا وأربد كانا أخوين لحطائط 1.
[شرح قصيدة حاتم الطائي]:
1 - قوله: "وعاذلة" أي: ورب عاذلة 2 قامت من الليل تلومني، قوله: "وقد غاب" الواو للحال، قوله: "فعردا" 3 من عرّد القوم تعريدًا إذا فروا، وعرد النبت إذا طلع وارتفع.
2 - قوله: "وصرَّد" من التصريد، قال الجوهري: التَّصْريدُ في السَّقْي دون الرِيِّ، والتَّصْريدُ في العَطاءِ: تقلِيلُه، وشرابٌ مُصَرَّدٌ؛ أي مُقَلَّلٌ، وكذلك الذي يُسْقَى قَلِيلًا، أو يُعْطَى قَلِيلًا 4.
3 - قوله: "معبد" بفتح الباء الموحدة المشددة، وأصله من العبودية، أراد أن الممسك يجعل نفسه كالعبد للمال.
8 - قوله: "السديف"، بفتح السين المهملة وكسر الدال وفي آخره فاء؛ وهو السنام والمسرهد: السمين.
يقال: سنام مسرهد؛ أي سمين، وربما قيل للسنام 5: سرهد بدون الميم.
11 - قوله: "دلاصًا" بكسر الدال [المهملة] 6 يقال: درع دلاص وأدرع دلاص، الواحد والجمع على لفظ واحد.
قال الجوهري: الدلاص: الليِّنُ البَرّاق 7، و "السائح": بالحاء المهملة؛ وهو الفرس الذي يجري كالماء، من ساح الماء إذا جرى، "والأسمر": الرمح، و "الخَطَّيّ" بفتح الخاء المعجمة؛ نسبة إلى خط، موضع باليمامة، وهو خط هجر تنسب إليه الرماح الخطية؛ لأنها تحمل من بلاد الهند فتقوم به 8، و "العضب" السيف القاطع، وأصله من عضبه إذا قطعه، و"الهند": السيف المطبوع من حديد الهند.
12 - و"المُتْلد" بضم الميم وسكون التاء المثناة من فوق وفتح اللام، من: أتلد الرجل إذا أخذ 9 مالًا، ومال متلد، قوله: "جوادًا" أي كريمًا، من جاد بما له يجود جودًا فهو جوّاد.
الإعراب:
قوله: "أريني": خطابٌ من حاتم لتلك المرأة التي عذلته على إنفاقه ماله على ما قال في أول القصيدة، و "عاذلة هبت بليل تلومني" ويحتمل أن تكون امرأته أو ابنته أو غيرهما، و "أرى" يقتضي مفعولين، الأول: الضمير المتصل به، والثاني: قوله: "جوادًا".
قوله: "مات هزلًا" جملة وقعت صفة لـ "جوادا"، و "هزلًا" نصب على التمييز بفتح الهاء من هزل الرجل هزلًا إذا افتقر.
قوله: "لعلني" اسم لعل هو الضمير المتصل به، وخبره قوله: "أرى ما ترين"، و "ما" موصولة، و "ترين" صلتها، والموصول مع صلته في محل النصب على أنها مفعول أرى، وهو في الموضعين من رؤية البصر؛ فلذلك اقتصر على مفعول واحد، ومفعول ترى (1) محذوف، وهو العائد إلى الموصول تقديره: ما ترينه.
قوله: "أو بخيلًا" عطف على قوله: "جوادًا" أي: أريني بخيلًا مخلدًا في الدنيا بسبب إمساكه ماله، والحاصل أن إنفاق المال لا يميت الكريم هزلًا ولا إمساكه يخلد البخيل في الدنيا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لعلني" حيث جاءت فيه عند الإضافة إلى ياء المتكلم نون الوقاية، والأكثر فيه ترك النون كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: 36] (2).