الشاهد الخامس والثلاثون بعد الأربعمائة
2، 3
وكُمْتًا مُدَمَّاةً كَأَنَّ مُتُونَهَا... جَرَى فَوْقَهَا وَاستَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهَبِ
أقول: قائله هو طفيل بن فرعون 4 بن ضبيس الغنوي 5، ويكنى أبا قزان، وطفيل من الأسماء المنقولة يحتمل أن يكون تصغير طَفل بفتح الطاء 6، وهو الرخص الناعم، يقال: بنان طفل، ويحتمل أن يكون تصغير طفل بكسر الطاء، وهو الصغير من الأناسي وغيرهم، و "الضبيس" من الرجال: سيِّئ الخلق.
والبيت المذكور من قصيدة بائية في [صفة] 7 خباء وخيل، وأولها هو قوله 8:
1 - وبَيتٍ تَهُبُّ الرِّيحُ في حُجُرَاتِهِ... بِأَرضٍ فَضَاءٍ بَابُهُ لم يُحَجَّبِ
2 - سَمَاوتُهُ أسْمَالُ بَرْدٍ مُفَوَّفٍ... وصَهْوَتُهُ مِنْ أتْحَمِيِّ مُعَصَّبِ
3 - وأطْنَابُهُ أرْسَانُ جُرْدٍ كَأَنَّهَا... صُدورُ القَنَا منْ بَادئٍ ومُعقّبِ
4 - بِكَفٍّ على قَومٍ كأنَّ رِماحَهُمْ... عُرُوقُ الأعَادي مِنْ غَرِير وأشْيَبِ 9
5 - وَفِينَا تَرَى الطُّولَى وكُلَّ سَمَيدَعٍ... مُدَرِّبِ حَرْب وَابنِ كُلِّ مُدَرِّبِ1
6 - طَويل نجِادِ السيفِ لم يَرضَ خِطَّةً... مِن الخَسفِ خَوَّاضِ إلى الموت مُجربٍ
7 - وفِينَا رِباطُ الخَيَل كُلُّ مُطَهَّمٍ... وخَيْلٍ كَسِرْحَانِ الغَضَى المتُأَوَّبِ
8 - تُبَارِي مَرَاخِيهَا الزُّجَاجَ كأنَّهَا... ضِرَاءٌ أَحَسَّتْ نَبْأَةً مِنْ مُكَلِّبِ
9 - مَغَاويرُ مِنْ آلِ الوَجيهِ ولاحِقٌ... عَنَاجيجُ فِيهَا لذَّةٌ لمِعَقِّبِ
10 - وكُمْتًا مُدَمَّاةً كَأَنَّ مُتُونَهَا... جَرَى فَوْقَهَا وَاستَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهَبِ
11 - وأذنابها وَحْفٌ كأَنَّ ذُيُولَهَا... تَجُرّ أَشَاءَ مِنْ سَمِيحَةَ مُضرِب 1
12 - رَهَصْنَ الحَصَى حَتَّى كَأَنَّ رُضَاضَهُ... ذَرَى بَرْدٍ مِنْ وَابِلٍ مُتَحَلّبِ
وهي من الطويل.
1 - قوله: "في حجراته": جمع حجرة بضم الحاء المهملة وسكون الجيم، و: "البان": شجر معروف.
2 - قوله: "سماوته" أي: سقفه، و "الأسمال": جمع سملة بالسين المهملة، وهو الثوب الخلق، و "المفوف": البرد الذي فيه المخطوط البيض، قوله: "وصهوته" أي: أعلاه، وصهوة كل شيء: أعلاه، و "الأتحمي" بفتح الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الحاء المهملة وكسر الميم وتشديد الياء، وهو ضرب من البرود، و "معصب" من العصب بالمهملتين وهو نوع من برود اليمن.
3 - قوله: "أرسان جرد" الأرسان: جمع رسن وهو الحبل، و "الجرد" بضم الجيم وسكون الراء؛ [جمع] 2 جرداء مؤنث أجرد، قال الجوهري: الأجرد الفرس إذا رفت شعرتُهُ وقَصُرَتْ وهو مدح 3، قوله: "ومعقب": من عقب السهم والقوس تعقيبًا إذا ألويت عليه شيئًا كان العقب بالتحريك، وهو العصب الذي يعمل منه الأوتار، الواحدة: عقبة 4.
4 - قوله: "من غرير" بالغين المعجمة والراءين المهملتين؛ أي: من شاب، و "الأشيب": الشيخ.
5 - و "السميدع" بالفتح: السيد، و "المدرب": فاعل من الدربة، وهي عادة وجرأة على الحرب وكل أمر وقد درب بالشيء بالكسر إذا اعتاده وضرى به 5.
6 - قوله: "نجاد السيف" بكسر النون، قال الجوهري: نِجَادُ السيف: حَمَائِلُه 1 و "المحرب" بكسر الميم؛ كثير الحرب.
7 - و "المُطهّم" بضم الميم وتشديد الهاء المفتوحة، قال الأصمعي: هو التام كل شيء منه على حدته فهو بارع الجمال 2 و "السرحان" بالكسر؛ الذئب، و "الغضى" بالمعجمتين الشجر، يقال: ذئب غضي، و "المتأوب": الذي يجيء أول الليل.
8 - قوله: "تباري" أي: تعارض، و "المراخي" جمع مرخاء وهو الفرس الذي يخلى وشهوته في العدو، وقوله: "ضراء" بكسر الضاد المعجمة، جمع ضرو، وهو الضاري من أولاد الكلب، قوله: "نبأة" بفتح النون وسكون الباء الموحدة وفتح الهمزة، وهو الصوت الخفي، و "المكلِّب" بكسر اللام؛ الذي يعلم الكلاب الصيد، وبفتحها: الأسير المقيد.
9 - قوله: "مغاوير": جمع مغوار بالغين المعجمة، من أغار الفرس إذا شد العدو وأسرع، ورجل مغوار وهو المقاتل، قوله: "من آل الوجيه" بفتح الواو وكسر الجيم، وهو اسم فرس مشهور، وكذلك اللاحق بالقاف، قوله: "عناجيج" هي جياد الخيل، واحدها عنجوج.
10 - قوله: "وكُمْتًا" بضم الكاف وسكون الميم؛ جمع أكمت، وليس جمع 3 كميت؛ لأن المصغر لا يجوز جمعه لزوال علامة التصغير بالجمع، وذكر بعض شراح الجمل للزجاجي 4 أن كميتًا من الأسماء المصغرة التي لا تكبير لها، وهو مصغر مرخم من أكمت بمنزلة حميد من أحمد غير أن أكمت لم يستعمل ويدل على ذلك جمعهم إياه على كمت 5.
قال سيبويه: سألت الخليل عن كميت فقال: هو بمنزلة حميد، وإنما هي حمرة يخالطها سواد ولم يخلص، وإنما حقروها لأنها بين السواد والحمرة ولم يخلص، لأن قال: أسود أو أحمر، وهو منهما قريب، ويقال: هو من الكمتة وهي حمرة قانية، أي: تضرب إلى السواد 6.
وذكر أبو عبيدة أن الكمت من الخيل بين الأصدى والأحوى، قال: وهو أقرب الشقر والورد إلى السواد، وأشد من الشقر والورد حمرة، والأنثى-[أيضًا] 7 كميت والجمع: كمت، وهو على أقسام:
كميت أحم، وكميت أصحم، وكميت مدمى، وكميت أحمر، وكميت مذهب،
[وكميت أطف] 1، وكميت محلف، وكميت أصدى؛ فالكميت الأحم: الذي يشاكل الأحوى، أهون سوادًا من الجون، وينفصل الكميت الأحم من الأحوى بحمرة أقرانه ومرافقه.
والكميت الأصحم أظهر حمرة من الكميت الأحم غير أن حمرته ليست بصافية.
والكميت المدمي الذي شعر سراته أحمر شديد الحمرة، وكلما انحدرت الحمرة إلى مرافقه ازدادت حمرة.
والكميت الأحمر أشد حمرة من المدمى.
والكميت المذهب: الذي يخالط حمرته صفرة.
والكميت المحلف: الذي لم يخلص لونه فيختلف الناظرون إليه فيقول بعضهم: هو أحمر 2،
وبعضهم هو ورد، وبعضهم هو كميت.
قلت: الأحوى -بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وهو الكميت الذي يعلوه سواد، ويجمع على حُوّ بضم الحاء وتشديد الواو، وفي الحديث 3: "خير الحيل الحو"، وأصله: من حوي يحوى من باب علم يعلم فهو أحوى، والمصدر: حوة وهي الكمتة 4.
و"الأصدى" بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة، وهو الذي فيه صدأة، أي: كدرة، ويعلو كل لون من ألوان الخيل ما عدا الدهمة وفيها صفرة قليلة، وإنما شبهوها بلون صدأ الحديد.
و"الأحم" بفتح الهمزة والحاء المهملة وتشديد الميم، وهو الذي فيه سواد؛ من حممت الرجل إذا سخمت وجهه بالفحم.
و"الأصْحَم" بفتح الهمزة وبالصاد والحاء المهملتين، وهو الأغبر إلى السواد.
و"المحلِف" بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر اللام وفي آخره فاء؛ من قولهم: هذا شيء محلف إذا كان يشك فيه فيتحالف عليه.
و"الأكلف" من الكلف وهو شيء يعلو الوجه فيغير بشرته، قوله: "مدماة": من دمَّى يُدَمِّي مُدَمًّى 5، وأراد بها: شديدة الحمرة مثل الدم.
قوله: "كأن متونها": جمع من وهو الظهر، قوله: "جرى" بمعنى: سال، قوله: "استشعرت": يعني جعلت شعارها، وهو علامتهم في الحرب؛ كذا فسره بعضهم، والصحيح أن معناه: جعلت شعارًا ولباسًا، والشعار من الثباب: ما يلي الجسد، والدثار ما فوقه، قوله: "مذهب" بضم الميم وسكون الذال المعجمة، وفتح الهاء؛ من الإذهاب وهو التمويه بالذهب، وكذلك التذهيب بمعناه.
11 - قوله: "وأذنابها وحْف" بفتح الواو وسكون الحاء المهملة وفي آخره فاء؛ أي: كثير حسن، يقال: عشب وحف كذلك، وقد وحُف شعره بالضم 1، قوله: "أشاء" بفتح الهمزة والشين المعجمة، وبالمد؛ وهي صغار النحل، الواحدة: أشاءة.
12 - قوله: "رهصن": من الرهص وهو كسر الشيء الرخو، والرهص أيضًا شدة الوطء، و "رضاض كل شيء" بضم الراء: فتاته، وكل شيء كسرته فقد رضضته، وهو على وزن فعال بضم الفاء [كفتات] 2 وحتات، وكذلك الرضاضة بالضم، وهو من باب نصر ينصر، قوله: "ذرى برد" بفتح الذال المعجمة، قال الجوهري [رحمه الله تعالى] 3 الذرى: اسم للدمع الصبوب 4، و "البرد" بفتح الباء الموحدة والراء؛ وهو حب الغمام، و "الوابل": المطر العظيم [القطر] 5، قوله: "متحلب" بالحاء المهملة.
الإعراب:
قوله: "وكُمْتًا" بالنصب عطف على قوله: "وفينا رباط الخيل" أي: ترى فينا كمتًا، و "مدماة": صفة كمتًا، قوله: "كأن" للتشبيه، و "متونها": اسمه، والضمير فيه يرجع إلى الكمت، وقوله: "جرى": فعل ماض، وفاعله مستتر فيه تقديره: جرى هو، قوله: "فوقها": نصب على الظرف، أي: فوق متونها.
[قوله: "واستشعرت] عطف على "جرى"، وفاعله مستتر فيه تقديره] (6): استشعرت هي، وقوله: "لون مذهب": كلام إضافي منصوب على المفعولية، وفيه حذف تقديره: لون شيء مذهب، وقال ابن يعيش: والمذهب هاهنا اسم الذهب 6.
قلت: فحينئذ لا يحتاج إلى التقدير المذكور، والجملة الصغرى -أعني قوله: "جرى" مع معطوفها في محل الرفع على أنها خبر كأن، والجملة الكبرى- أعني قوله: كأن مع اسمها وخبرها في موضع نصب على أنها صفة لقوله: "كمتًا".
الاستشهاد فيه: في قوله: "جرى واستشعرت" حيث توجها إلى معمول واحد ظاهر بعدهما وهو قوله: "لون مذهب" بناء على أن مذهب البصريين في إعمال الأقرب وإضمار الفاعل في الأسبق والله أعلم (1).