المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الخامس

2, 3 أفِد الترحلُ غيرَ أنّ رِكَابَنَا... لما تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قد أقول: قائله النابغة الذبياني؛ واسمه زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وهو 4 بضم الذال المعجمة وكسرها.
قال ابن الأعرابي 5: رأيت الفصحاء يختارون الكسر، وحكى أبو عبيدة عن الكلبي 6 قال: كان أبي يقول: ذبيان بالكسر وغيره ذُبيان.
وقال ابن دريد: هو من ذبي الشيء يذبي ذبيًا إذا لان واسترخى 7 والذبياني في قبائل.
ففي قيس غيلان ذبيان بن بغيض بن ريث بن عطفان بن سعد بن قيس بن غيلان منهم النابغة المذكور، وفي جهينة: ذبيان بن رشدان بن قيس بن جهينة، وفي ربيعة بن نزار ذبيان بن كنانة بن يشكر، وفي بجيلة: ذبيان بن ثعلبة، وفي الأزد: ذبيان بن ثعلبة بن الدول، وفي1

همدان: ذبيان بن مالك [بن مالك] 1 بن معاوية، والنابغة الذبياني متقدم على النابغة الجعدي 2. والجعدي من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - 3 والذبياني شاعر مفلق كان ممن يجالس النعمان بن المنذر 4 وينادمه وكان عنده بمكانة.
قال الأعلم 5: وإنما سمي النابغة؛ لأنه لم يقل شعرًا حتى صار رجلًا وساد قومة فلم يفاجئهم إلا [وكان] 6 قد نبغ عليهم بالشعر بعد ما كبر، فسمي النابغة.
وقيل: [إنما] (7) سمي بذلك لبيت قاله، وهو 7: وَحَلَّت في بَني القَين بن جَسرٍ... فَقَد نَبَغَت لَنا مِنهُم شُؤونُ والبيت المذكور من قصيدة دالية قالها في المتجَردة امرأة النعمان بإشارة النعمان، وكان قاعدًا ليلًا وعنده المتجردة والنابغة، وقال: صفها يا نابغة في شعرك فوصفها فقال، وكنى عنها 8: 1 - أمن آلِ ميَّةَ رائحٌ أو مُغْتَدِ... عَجلانَ ذا زاد وغيرَ مُزَوَّدِ 2 - أفِدَ التَّرَحُّلُ غيرَ أنّ رِكَابَنَا... لمّا تَزُل بِرِحَالِنا وكأنْ قَدِ 3 - زَعَمَ البَوارِحُ أَنَّ رِحلَتَنا غَدًا... وَبِذاكَ خَبَّرَنا الغُرابُ الأَسوَدُ 4 - لا مرحَبا بِغَدٍ ولا أهلًا بِهِ... إنْ كان تفريقُ الأَحِبَّة فيِ غدِ 5 - حَانَ الرَّحيلُ ولم نُوَدِّع مَهْدَدَا... والصبحُ والإمْسَاءُ منها مَوْعِدِي 6 - فيِ إِثْرِ غَانِيةٍ رَمَتْكَ بسَهمِها... فأَصَابَ قَلْبَكَ غير أَنْ لم تُقْصدِ 7 - غَنِيَتْ بذلك إذْ هُمُ لكَ جيرَةٌ... منها بعَطْفِ رِسَالةٍ وَتَودُّدِ

8 - وَلَقَدْ أَصَابَ فُؤَادَهُ مِنْ حُبِّها... عنْ ظَهْرِ مِرْنَانٍ بسَهْمٍ مُصَرَّدِ 9 - نَظَرَت بِمُقلَةِ شادِنٍ مُتَربِّبٍ... أَحوى أَحَمّ المُقلَتَينِ مُقَلَّدِ 10 - وَالنَظمُ في سِلكٍ يُزَينُ نَحرَها... ذَهَبٌ تَوَقَّد كَالشِهابِ الموقَدِ 11 - صَفراءُ كَالسِيَراء أُكمِلَ خَلقُها... كَالغُصن في غُلَوائِهِ المُتَأَوِّدِ 12 - وَالبَطنُ ذو عُكَنٍ لَطيفٌ طَيُّهُ... وَالإِتبُ تَنفُجُهُ بثَديٍ مُقعَدِ 13 - مَحطوطَةُ المتَنَين غَيرُ مُفاضَةٍ... رَيّا الرَّوادِفِ بَضَّةُ المُتَجَردِ 14 - قامَت تَراءى بَينَ سَجفَي كِلَّةٍ... كَالشَمسِ يَومَ طُلوعِها بِالأَسعُدِ 15 - أَو دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها... بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ وَيَسجُدِ 16 - أَو دُميَةٍ مِن مَرمَرٍ مَرفوعَةٍ... بُنِيَت بآجُرٍّ تُشادُ وَقَرمَدِ 17 - سَقَطَ النَصيفُ وَلَم تُرِد إِسقاطَهُ... فَتَناوَلَتهُ وَإتَّقَتنا بِاليَدِ 18 - بِمُخَضَّب رَخصٍ كَأَنَّ بَنانَهُ... عَنَمٌ يَكادُ مِنَ اللَطافَةِ يُعقَدِ 19 - نَظَرَت إِلَيكَ بِحاجَةٍ لَم تَقضِها... نَظَرَ السَقيمِ إِلى وُجوهِ العُوَّدِ 20 - تَجلو بِقادِمَتَي حَمامَةِ أَيكَةٍ... بَرَدًا أُسِفَّ لِثاتُهُ بالإِثمِدِ 21 - كَالأقحُوانِ غَداةَ غِبَّ سَمائِهِ... جَفَّت أَعاليهِ وَأَسفَلُهُ نَدي 22 - زَعَمَ الهُمامُ بِأَنَّ فاها بارِدٌ... عَذبٌ مُقَبَّلُهُ شَهِيُّ المَورِدِ 23 - زَعَمَ الهُمامُ وَلَم أَذُقهُ أَنَّهُ... يُشفى بِرَيّا ريقِها العَطِشُ الصَدي 24 - أَخَذَ العَذارى عِقدَها فَنَظَمنَهُ... مِن لُؤلُؤٍ مُتَتابِعٍ مُتَسَرِّدِ 25 - لَو أَنَّها عَرَضَت لِأَشمَطَ راهِبٍ... عَبَدَ الإِلَه صَرورَة المتُعَبِّدِ 26 - لَرَنا لِرُؤيتِها وَحُسنِ حَديثِها... وَلخَالهُ رُشدًا وَإِن لَم يَرشُدِ 27 - بِتَكَلُّم لَو تَستَطيعُ سَماعَهُ... لَدَنَت لَهُ أَروى الهضابِ الصُخَّدِ 28 - وَبِفاحِمٍ رَجلٍ أَثيثٍ نَبتُهُ... كَالكَرمِ مال عَلى الدِّعامِ المُسنَدِ 29 - فَإِذا لَمسَتَ لَمَستَ أَخثَمَ جاثِمًا... مُتَحَيِّزًا بَمَكانِهِ مِلءَ اليَدِ 30 - وإذا طعنْتَ طعنْتَ في مستهدفٍ... رابِي المَجَسَّةِ بالعبير مُقَرْمَدِ 31 - وإذا نزعت نزعت عن مُسْتَحَصِفٍ... نزْعَ الحَزَوِّرِ بالرِّشَاءِ المُحْصَدِ 3 - لا وارِدٌ منها يحور لِمصْدَرِ... عنها ولا صَدِرٌ يحورُ لموْرِدِ

وهي من الكامل، وأصله في الدائرة: متفاعلن ست مرات 1 وقد دخله الإضمار وهو إسكان الثاني فيصير: متْفاعلن فيرد إلى مستفعلن، وقوله: (لما تزل) مستفعلن مضمر.
1 - قوله: "أمن آل مية رائِح" يخاطب نفسه يقول: أرائح أنت من آل مية أو مغتدي؛ أي: أتروح اليوم أم تغتدي غدًا، وليس هذا شكًّا لكنه كالمستثبت 2, قوله: "عجلان" من العجلة.
2 - قوله: "أفد"؛ على وزن: فَعِل "بكسر العين" 3 ومعناه قرب ودنا، وفي حديث الأحنف 4: قد أفد الحج؛ أي: دنا وقته وقرب، ويقال رجل آفد 5؛ أي مستعجل، ويروى أزف الترحل، ومعناه: قرب أيضًا، و "الترحل" الرحيل، و "الركاب" الإبل الرواحل واحدها راحلة - ولا واحد لها من لفظها، وقيل: جمع ركوب وهو ما يركب من كل دابة فعول بمعنى مفعول، والركوبة أخص منه، والرحال من الرحل 6 وجمع رحل أيضًا وهو مسكن الرجل ومنزله, قوله: "وكأن قد" أي: وكان قد زالت وذهبت بقرينة لم تزل.
3 - قوله: "زعم الغراب" يعني الغراب نعب فأنذرهم برحيله، وكانوا يتطيرون به، ويسمونه حاتمًا؛ لأنه كان يحتم عندهم بالفراق.
4 - قوله: "مهدد" اسم جارية، ويحتمل أن يريد بها مية، وقد يسمون المرأة في أشعارهم باسمين أو أكثر من ذلك اتساعًا.
5 - و "الغانية" التي غنيت بجمالها عن الحلي, قوله: "لم تقصد" من الإقصاد؛ أي: لم تقتلك حين رمتك فتستريح؛ يقال: رماه فأقصده إذا قتله.
6 - قوله: "غنيت بذلك"، أي: أقامت وعاشت بما أودعتك من حبها.
7 - قوله: "مرنان" مفعال من الرنين، وهو صوت القوس عند الرمي، يريد: رمتك عن ظهر قوس ترن عند الرمي لشدة وترها, قوله: "مصرد"؛ أي منفذ.
يقال صرد السهم أصردته أنا إذا أنفذته.
8 - قوله: "شادن" الشادن من أولاد الظبَاء: الذي قد شدن وقوي على المشي، و"المتربب"

المحبوس في البيت، و ["الأحوى"] 1 الذي فيه خطتان سوداوان، وأحم المقلتين: أسودهما، و"المقلد" الذي زين بالحلي وقلائد اللؤلؤ.
11 - قوله: "صفراء" يعني: أنها تطلى بالزعفران تتطب به، وصفها بالنعمة وتمكن الحال، والسيراء: الحريرة الصفراء، شبهها بها لصفرة الطب وللين بشرتها ولطافتها، و"الغلواء" ارتفاع الغصن ونماؤه، و "المتأوِّد" المنثني لطوله.
12 - قوله: "والبطن ذو عكن" أي: هي مهفهفة وخميصة البطن، ولو كانت مفاضة عظيمة البطن لم يكن لها عكن, قوله: "تنفحه" أي: تعليه وترفعه، والمقعد الغليظ الأصل في أول نهوده الذي لم يسترخ.
13 - قوله: "محطوطة المتنين" هي التي في متنيها حطان بالحاء المهملة، وهما كالخطين بالخاء المعجمة كما تخط جلود المصاحف إذا زينت بالحديدة، وقال الأصمعي: محطوطة؛ أي: ملساء الظهر غير منقبضة الجلد، و"المحط" بكسر الميم وبالحاء المهملة؛ حديدة يصقل بها الجلد، و "الفاضة": الواسعة البطن العطمة، و "الريا": المتلئة، و"البضة" بالباء الموحدة؛ الناعمة البيضاء، والمتجرد: الجسيم المجرد.
14 - تراءى أي: تعرض نفسها لنا وتتظاهر.
و "السجف": الستر المشقوق الوسط.
15 - قوله: "بهج" أي: فرح مسرور.
16 - و "الدمية" بضم الدال: التمثال والصورة و "المرمر": الرخام الأبيض.
قوله: "يشاد" أي: يبني ويرفع بالشَدّ وهو الجص، و "القرمد": خزف مضبوخ مثل الآجُر.
17، 18 - و "النصيف": نصف خمار أو نصف ثوب يعتجر به، يصف أنه فاجأها فسقط نصيفها فسترت وجهها بمعصمها، وهو قوله بمخضب "رخص"، أي ناعم كأن بنانه أصابعه، "عنم" بالعين المهملة: وهو شجر أحمر الثمر أشبه شيء بالأصابع المخضوبة.
19 - قوله: "العُوّد" بضم العين وتشديد الواو؛ جمع عائد, قوله: "تجلو بقادمتي حمامة أيكة" يعني: إذا ابتسمت كشفت عن أسنان؛ كأنها برد لبياضها وصفائها.
20 - و "القادمتان": الريشتان اللتان في مقدم الجناحين؛ يريد أن في شفتيها لعسًا وحوة وهي سمرة في الشفتين، وهما لطيفتان براقتان، فشبههما بالقادمتين لذلك, قوله: "أسف لثاته"؛ أي: ذُرّ الإثمد على لثاتها، وكذلك كان يفعل أهل الجاهلية يغرزون اللثة بالإبرة ثم يذرون عليها

إثمدًا فيبقي سواده فيحسن بياض الثغر.
21 - و "الأقحوان" نبت له نوار أبيض، ووسطه أصفر، وغب الشيء: بعده، وأراد بالسماء المطر.
22 - قوله: "زعم الهمام" أراد به النعمان بن المنذر، ومعناه: السيد، سمي به؛ لأنه إذا هم بأمر أمضاه.
23 - و "الريا": الريح الطيبة، و"الصدِي" بكسر الدال المهملة: الشديد العطش.
24 - و "العذارى": أبكار الجواري، و "المتسرد": الذي تبع بعضه بعضًا.
25 - و "الأشمط": الأشيب، و "الصرورة": بالصاد المهملة؛ الملازم لصومعته لا يريد حجًّا ولا عمرة، وأراد به نصارى الشام الذين لا يعرفون الحج، وقيل: الصرورة هنا: الذي لا يأتي النساء، وقيل: هو الذي لم يذنب قط.
26 - قوله: "لرنا" اللام جواب لو؛ أي: لأدام النظر إليها، ولأعرض عما هو فيه من عبادته ولظن ذلك رشدًا، ولم ير فيه حرجًا، وإن لم يكن فيه رشد.
27 - قوله: "أروى الهضاب" الأروى: إناث الوعول، والهضاب: الجبال الصغار، والصخد: الملس، وقيل: المنتصبة، وقيل: الركد الثابتة.
28 - قوله: "وبفاحم رجل" أراد به الشعر، والفاحم: الشديد السواد، و "الأثيث" الكثير الذي ركب بعضه بعضًا، و "الرجل": المرجل الممشوط، و "الدعام" بالكسر: جمع دعامة، و "المسند": الذي رفع وأسند بعضه إلى بعض.
29 - قوله: "أخثم جاثمًا" الأخثم: العَريض في ارتفاع، و "الجاثم": الذي اتسع موضعه وتمكن.
30 - و "المستهدف": المرتفع، و "الرابي": المرتفع من الربوة، وهو ما ارتفع من الأرض، و "العبير" هو الزعفران، وقيل هو الخلوق، و "المقرمد" هو المطلي.
31 - و "المستحصف": الشديد الضيق القليل البلل، و "الحَزَوّر" بفتح الحاء المهملة والزاي وتشديد الواو وفي آخره راء؛ وهو الغلام القوي، و "الرشاء": الحبل، و "المحصد": الشديد الفتل.
32 - قوله: "لا وارد" إلى آخره معناه: الذي يرد من 1 هذه المرأة، أي: ينال منها ما يريد

بذلك بدلًا فيصدر عنها، ولا الذي يصدر عنها لا يريد منها بدلًا أيضًا، فيصدر ليريد غيرها، ومعنى يحور: يرجع.
الإعراب: قوله: "أفد الترحل": جملة من الفعل والفاعل 1، و "أن" مع جملتها في محل الجر بإضافة "غير" إليها، [قوله] 2: لما "تزل": جملة وقعت خبرًا لأن, قوله: "وكأن" مخففة من الثقيلة، و "قد": حرف وحذف فعله؛ كما ذكرنا.
فإن قلت: الاستثناء فيه منقطع أم متصل؟ قلت: منقطع؛ أي: قرب ارتحالنا ولكن 3 رحالنا بعد لم تزل على عزمنا على الانتقال.
الاستشهاد فيه: في دخول تنوين الترنم في الحرف، وذلك في قوله: "وكأن قدن" وذلك أن تنوين الترنم يشترك في الاسم والفعل والحرف.
أما الاسم فكما في قوله: يا صاح ما هاج العيون الزرقن........................ 4 وأما في الفعل كما في قوله: ............................. كالأتحمى أنهجن وأما في الحرف فكما في هذا البيت 5، وفيه استشهاد آخر وهو حذف الفعل الواقع بعد كلمة "قد" 6 ولكن لم يورد ها هنا 7 إلا لما ذكرنا [فافهم] 8.

جارٍ التحميل