المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثالث والثمانون

1, 2 نُبِّئْتُ أَخْوَالِي بَنِي يَزِيدُ... ظُلْمًا عَلَينَا لَهُمْ فَدِيدُ أقول: قائله هو رؤبة بنُ العجاج.
وهو من الرجز المسدس.
قوله: "نبئت" على صيغة المجهول، بمعنى أخبرت، وأصله من النبأ وهو الخبر، ويقال: نَبأ تنبئة بمعنى: أعلم إعلامًا، وهو من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل، والأصل في نَبَّأ أنه بمعنى أخبر، لكنه لما استلزم معنى الإعلام أُجري مجراه في تعديته إلى ثلاثة مفاعيل 3. فإن قلتَ: لم قلت إنه يستلزم الإعلام؟ قلتُ: لأن الإخبار المستقيم لا يكون إلا عن علم أو ظن.
قوله: "أخوالي": جمع خال، وهو أخو الأم، قوله: "بني يزيد" مركب إضافي، وأصله: بنين ليزيد؛ فلما أضيف حذفت النون واللام، ويزيد: علم شخص، وهو بفتح الياءآخر الحروف وكسر الزاي المعجمة، وكذا وقع في كتاب الزمخشري 4. وقال ابن يعيش: صوابه بالتاء المثناة من

فوق، وهو اسم رجل وإليه تنسب الثياب التَّزيدية 1. وقال الرُّشَاطِي 2: تزيد في الأنصار، وفي قضاعة، فالذي في الأنصار: تزيد بن جشم بن الخزرج منهم بنو سلمة، ولم أر هذه النسبة، أعني: التزيدية في الأنصار 3، والذي في قضاعة: تزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة؛ إليهم تنسب الثياب التزيدية، وقال ابن الكلبي: كانت الترك أغارت على تزيد فأفنوهم بآمد، فقال في ذلك عمرو 4 بن مالك التزيدي 5: وليلتنا بآمْدٍ لم تَنَمْهَا... كَلَيلَتِنَا بِمَيَّا فَارِقِينَا ثم قال: اليزيدي بالياء آخر الحروف في قريش، وفي غيرها؛ فالذي في قريش: يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب ابن أمية، وفي همدان: يزيد بن قَشم بن ربيعة بن مُرْهِبة، وفي حِمْيَرٍ: يزيد بن منصور الحميري.
قوله: "ظلمًا" من ظلم يظلِم من باب ضرب يضرب، والظلم: وضع الشيء في غير محله، أو منعه عن محله، قوله: "فديد" بالفاء وهو الصياح، وقال ابن فارس: الفَدِيدُ: الصَّوْتُ والجلبَة 6، وفي الحديث: "إِن الجفاء وَالْقَسْوَةَ فيِ الْفَدَّادِينَ وَهِيَ أَصْواتُهُمْ فيِ حُرُوثِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ" 7 ومعنى البيت: أُعلمت أن هذه الجماعة الذين هم أقوياء لهم جلبة وصياح من أجل ظلمهم علينا.
الإعراب: قوله: "نُبِّئْتُ" التاء فيه: مفعول أول أقيم مقام فاعله، و "أخوالي": في محل النصب مفعول ثان، وقوله: "لهم فديد": جملة من المبتدأ والخبر في موضع مفرد منصوب على أنه مفعول ثالث، والتقدير: فَادِّين.

قوله: "بني يزيد" نصب على أنه بدل من أخوالي، ويحتمل أن يكون عطف بيان 1، قوله: "ظلمًا" نصب على التعليل؛ أي لأجل الظلم، ويجوز أن يكون حالًا تقديره: ظالمين، ويجوز أن يكون حالا بتقدير جملة محذوفة، والتقدير: في حال كونهم يظلمون علينا ظلمًا؛ كما قيل في: مررت به وحده، والتقدير هنا: ينفرد وحده، فحذفت الجملة التي وقعت حالًا، وأقيم المصدر مقامها.
ويجوز أن يكون مفعولًا ثالثًا لنبئت، ويكون ما بعده كالتفسير، ويجوز أن يكون نصبًا على التمييز؛ أي يصيحون ظلمًا لا عدلًا، وهذا أضعف الوجوه.
قوله: "علينا" يتعلق بالأول، أي ظلمًا علينا، ويجوز أن يتعلق بالثاني، أي: لهم صياح علينا على تضمن الصياح معنى: الجور.
الاستشهاد فيه: في قوله: "يزيد" فإنه بضم الدال؛ اسم علم منقول عن المُرَكّب الإسنادي، والدليل على ذلك ضمة الدال؛ إذ ضمتها تدل على كونها محكية، وكونها محكية يدل على أنها كانت جملة إسنادية في الأصل؛ إذ بغير الجملة الإسنادية لا تحكى.
فإن قلتَ: كيف قلتَ إنه علم منقول عن المركب الإسنادي؟ وما حقيقة هذا الكلام؟ قلتُ: "يزيد" في الأصل فعل مضارع من يزيد [يعني] 2 المال، وفيه ضمير مستتر هو فاعل له، فجملته جزآن فعل وفاعل وهما مركب إسنادي، فإذا سمي به رجل باعتبار كِلا الجزأين وجب أن يحكى به، فتقول: جاءني يزيدُ، ورأيت يزيدُ، ومررت بيزيدُ، بضم الدال في الأحول الثلاثة؛ لأنه جملة محكية بها، وأما إذا سمي به باعتبار الجزء الأول الذي هو الفعل فقط، وجب أن تقول: جاءني يزيدُ، ورأيت يزيدَ، ومررت بيزيدَ فتعربه كإعراب مفرد غير منصوب؛ لأنه ليس بجملة، بل هو مفرد لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل 3.

جارٍ التحميل