الشاهد الخامس والثلاثون بعد الخمسمائة
5، 6 فأرْسَلَهَا العِرَاكَ ولمْ يَذُدْهَا... ولمْ يُشْفِقْ على نَغَصِ الدَّخَالِ أقول: قائله هو لبيد بن عامر، وقد ترجمناه في أول..................................1234
الكتاب 1، وهو من قصيدة من الوافر.
قوله: "العراك" بكسر العين المهملة وهو مصدر من عارك يعارك معاركة وعراكًا، يقال: أورد إبله العراك إذا أوردها جميعًا الماء؛ من قولهم: اعترك القوم إذا ازدحموا في المعرك.
قوله: "ولم يذدها": من الذياد بالذال المعجمة وفي آخره دال مهملة، وهو الطرد، تقول: ذدته عن كذا، وذدت الإبل: سقتها وطردتها، والتذويد مثله، [قوله: "] 2 ولم يشفق": من أشفقت عليه وأنا شفيق.
قوله: "على نغص الدخال" النغص بالنون المفتوحة والغين المعجمة المفتوحة وفي آخره صاد مهملة، وهو مصدر من نغص الرجل -بالكسر ينغص إذا لم يتم شربه 3 وكذلك البعير إذا لم يتم شربه، و"الدخال" بكسر الدال المهملة وبالخاء المعجمة؛ من المداخلة.
أراد: لم يشفق على كدرة الماء لمداخلة بعضها بعضًا، والدخال يأتي لمعنى آخر، فقد قال الجوهري: الدخال في الورد: أن يشرب البعير ثم يُرَدُّ من العَطَن إلى الحوض ويُدخل بين بعيرين عطشانين ليشرب منه ما عساه لم يكن شِرَب منه 4.
ويصف لبيد بهذا البيت حمار الوحش أنَّه أرسل الأتن إلى الماء مزدحمة، ولم يشفق عليها من نغص الدخال، وهو تكدير الماء بورودها فيه مزدحمة لمداخلة بعضها بعضًا ووقف هو، أعني: حمار الوحش، على موضع عال ينظر لها خوفًا من صائد يهجم عليها في الماء.
الإعراب:
قوله: "فأرسلها": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الَّذي يرجع إلى حمار الوحش، والمفعول وهو: ها، الَّذي يرجع إلى الأتن، والفاء فيها للعطف على ما قبله من البيت.
قوله: "العراك": حال بمعنى معتركة، قوله: "ولم يذدها": عطف على أرسلها، وهي -أيضًا- جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "ولم يشفق": عطف على [قوله: "] 5 لم يذدها" [قوله: "] (6) على نغص الدخال" يتعلق بلم يشفق، و"الدخال" مجرور بالإضافة.
الاستشهاد فيه:
في قوله" "العراك" فإنه حال، وهو معرف بالألف واللام، وشرط الحال أن يكون نكرة،
وفيه ثلاثة مذاهب:
الأول: أنَّه مصدر في موضع الحال، وهو مذهب سيبويه 1.
والثاني: أنَّه معمول لفعل مقدر، أي: تعترك العراك، وهو مذهب الفارسي 2.
والثالث: أنَّه معمول لحال محذوف، أي: معتركة العراك.
وذهب ابن الطراوة إلى أن "العراك" نعت مصدر محذوف وليس بحال، أي: فأرسلها الإرسال العراك، وأنشده ثعلب: فأوردها العراك، وزعم أن العراك مفعول ثانٍ لأوردها 3.
وقال الشريف النيلي 4: ولولا أن العراك مصدر لم يجز أن يقع حالًا، وهو معرفة، فلو قال: أرسلها العارك لم يجز، إما لأن المصدر لا فرق بين تعريفه وتنكيره؛ لأنه اسم جنس فهو مثل قولك: أتانا مشيًا وركضًا، أي: ماشيًا وراكضًا؛ لأن المصدر 5 يقع موقع الحال كثيرًا إذا كان ضربًا من الفعل؛ فإن الإتيان ضرب من المشي.
وكذلك: العراك ضرب من الإرسال؛ لأن أرسلها بمعنى: أطلقها، والمصدر يؤكد الفعل، والفعل نكرة؛ فتأكيده بمنزلته معرفة كان المصدر أو نكرة، وإما لدلالة المصدر على اسم الفاعل؛ كما يدل عليه الفعل، فكأنه قال: أرسلها معتركة، وإما لدلالة المصدر على الفعل الدال على اسم الفاعل، فكأنه قال: أرسلها تعترك العراك؛ فالعراك على هذا مصدر، والفعل الدال عليه هو الحال.
قلت: حاصل كلامه أنَّه جعل العراك في موضع الحال وهو معرفة، وإنما جاز الاتساع في المصادر؛ لأن لفظها ليس بلفظ الحال؛ إذ حقيقة الحال أن تكون بالصفات، ولو صرحت بالصفة لم يجز دخول الألف واللام، لم تقل العرب: أرسلها العارك، والمعترك، ولا: جاء زيد القائم، فعلم أنَّه نائب عن الفاعل، والتقدير: أرسلها معتركة، ثم جعل الفعل موضع اسم الفاعل لمشابهته له فصار: تعترك، ثم جُعِل موضع الفعل لدلالته عليه، فافهم.