الشاهد الخامس والسبعون
1, 2 فَيَا لَيْتِي إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ... ولجْتُ وكنتُ أوّلَهُمْ ولُوُجَا أقول: قائله هو ورقة بن نوفل بن عبد العزى بن قصي القرشي بن عم خديجة - رضي اللَّه تعالى عنها - وهو الذي أخبر خديجة -[رضي الله تعالى عنها] 3 - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبيُّ هذه الأمة لما أخبرته بما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أوحي إليه، وخبره معه مشهور 4. وهو من قصيدة جيمية، قالها ورقة بن نوفل لما ذكرت له خديجة عن غلامها ميسرة 5 ما رأى من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في سفره، وما قاله بحيرى الراهبُ 6 في شأنه 7، وأوّلُها هو قوله 8: 1 - لجَجْتُ وكنتُ في الذكرى لجُوجَا... لِهَمٍّ طَالمَا بَعَثَ النَّشِيجَا
2 - ووصفٍ من خديجةَ بَعْدَ وصْفٍ... فَقَدْ طَال انْتِظَاري يا خديجَا
3 - ببَطْنِ المكَّتَيِن على رَجَائِي... حديثَك أَنْ أَرَى منه خرُوجَا
4 - بمَا خَبّرْتِنَا من قول قُسّ... مِنَ الرُّهْبانِ أَكْرهُ أَنْ يَعُوجَا
5 - بأن محمدًا سَيَسُودُ قومًا... ويخصِمُ مَنْ يكونُ له حَجِيجَا
6 - ويظهرُ في البلاد ضياءَ نورٍ... يُقيمُ به البَرِيَّةَ أنْ تَمُوجَا
7 - فيلقى مَنْ يحاربُه خروجًا... ويَلْقَى مَنْ يسالمُه فُلُوجَا
8 - فَيَا لَيْتي إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ... ولَجْتُ وكنتُ أوّلَهُمْ وُلُوُجَا 1
9 - ولوجًا في الذي كَرِهَتْ قريشٌ... ولَوْ عَجّتْ بمكتِها عَجِيجَا
10 - أَرَجّى بالذي كَرِهُوا جميعًا... إلى ذي العرش إنْ سَفلُوا عُرُوجَا
11 - فإنْ يبقُوا وَأَبْقَ تكنْ أمورًا... يَضُجُّ الكافرونَ لهَا ضَجِيجَا
12 - وإن أَهْلَك فكلُّ فتَى سيلقى... مِن الأَقدَارِ متلفه خُرُوجَا
وهي من الوافر.
1 - قوله: "لججت" من باب علم يعلم تقول: لجّ يلجُّ لجاجًا ولجاجةً فهو لجوج: إذا كان متماديًا في الخصومة، و "الذكرى" مصدر، قوله: "النشيجا" بفتح النون؛ مصدر نشج الباكي ينشج نشيجًا ونشجًا إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتِحَابِ.
2 - قوله: "يا خديجا" أصله: يا خديجة.
3 - والباء في "ببطن" يتعلق بانتظاري، وسمي كلًّا من جانبي مكة أو كلًّا من أعلامها وأسفلها مكة؛ فلذلك ثناها ونطيره قولهم: صدنا بقنوين، وإنما هو قنا: اسم جبل، وهو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ 2 [الكهف: 32]، بدليل: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ 3 [الكهف: 35] قوله: "على رجائي" حال من انتظاري، و "حديثك" مفعوله، و "منه" يتعلق بـ"خروجًا".
6 - قوله: "ضياء نور"، قال السهيلي: الضياء والنور غيران، فإن النور هو الأصل والضياء
منتشر عنه، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: 17]، فعلق الإذهاب بالنور لينتفي الضياء بانتفائه بخلاف العكس، وفي أسمائه تعالى: النور لا الضياء 1.
7 - قوله: "فلوجًا" بالضم.
والفلوج على الخصم: الظفر به.
8 - قوله: "ولجت" ويروى: شهدت، ويروى: دعيت، قوله: "ولوجًا" أي دخولًا في الذي كرهت قريش، وأراد به: الدخول في الإسلام، فإن قريشًا كانوا كرهوا ذلك، قوله: "أولهم ولوجًا" أي: أول قريش، أو أول الناس دخولًا، أي: في الإسلام، وبهذا حكم الجمهور بإسلام ورقة - رضي اللَّه تعالى عنه - 2.
9 - قوله: "عجت" من العجِّ.
وهو رفع الصوتِ، قوله: "بمكتها" الضمير يرجع إلى قريش، وإنما نكر مكة باعتقاد الشياع 3 فيها.
10 - قوله: "عروجًا" مفعول لقوله: أُرَجّي.
الإعراب:
قوله: "فيا ليتي" كلمة "يا" إما حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: فيا قومي ليتي، وإما لمجرد التنبيه؛ لأنها دخلت على ما لا يصح للنداء 4. قوله: "إذا" للظرف وفيه معنى الشرط، و "ما" زائدة، و "كان" تامة بمعنى: وُجِدَ، قوله: "ذاكم" فاعله، وهو إشارة إلى ما ذكر من سيادة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومخاصمته مع المحاجين وظهور نوره في البلاد، ولقاء من يحاربه الخروج ومن يسالمه الولوج.
قوله: "ولجت" جملة من الفعل والفاعل وقعت جواب الشرط، قوله: "وكنت" عطف على قوله: "ولجت" والضمير المتصل به اسمه، و "أوّلهم" كلام إضافي خبره، وقوله: "ولوجًا" نصب على التمييز.
الاستشهاد فيه: في قوله: "فيا ليتي" حيث جاء بدون نون الوقاية، وهذا لأجل الضرورة عند سيبويه، فإن نون الوقاية ها هنا واجبة كالفعل واسم الفعل نحو: دعاني وداركني ونحوهما (1).