الشاهد الحادي والخمسون
1، 2
أَنَا الذَّائِدُ الحَامِي الذِّمَارُ وَإِنَّمَا... يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي
أقول: قائله هو الفرزدق همام بن غالب، وهو من قصيدة لامية، وبعد البيت المذكور قوله:
2 - فَمَهْمَا أَعِشْ لا يُضْمِنُونِي وَلَا أُضَع... لَهُمْ حَسَبًا مَا حَرَّكَتْ قَدَمِي نَعْلِي
3 - يَوَدُّ لَكَ الأَدْنَوْنَ لَوْ مُتَّ قبلَهُمْ... يَرَوْنَ بِهَا شرًّا عَلَيْكَ من القَتْلِ
4 - أَتَى أَبَدٌ مِنْ بَعْدِ حِدْثَانِ عَهْدِنَا... وَجَرَّتْ عَلَيْهِمْ كلُّ نَافِجَة شَمْلِي
5 - وصدَّتْ فَأُعْلِنا بِهَجْرٍ صُدُودَهَا... وهُنَّ منَ الأَخْلافِ قبلكِ والمطلِ
6 - ويوم شَهِدْنَاهُ تَسَامَى ملوكه... بمُعْتَرَكٍ بينَ الأَسِنَّةِ والنَّبْلِ
7 - وَإِنَّا لَذَوَّادُونَ كُلَّ كَتِيبَةٍ... تَجُرُّ مَنَايَا القومِ صادقةَ القَتْلِ
8 - أبَى لِكُلَيْبٍ أنْ تساوَى معشرًا... من الناسِ أنْ ليسُوا بفرعٍ ولا أَصْلِ
9 - سواسية سود الوجوهِ كأنهم... ظرابِي غِرْبَانٍ بمجرودةٍ محلِ
وهذه القصيدة من القصائد التي عارض بها الفرزدق جريرًا، ويذمه ويهجوه، وهي من الطويل.
2 - قوله: "ولا أضع" من الإضاعة.
3 - قوله: "الأدنون" أي الأقربون.
4 - قوله: " [بعد] 3 حدثان عهدنا" بكسر الحاء وسكون الدال، وحدثان الشيء: أوله، وهو مصدر حدث يحدث حدوثًا، وحدثًا وحدثانًا ضد القديم، قوله: "نافجة" بالجيم النافجة: أول كل شيء يبدأ بالشدة، يقال: نفجت الريح إذا أتت بقوة.
7 - و "الكتيبة": الجيش، و "المنايا" جمع منية من الموت.
9 - قوله: "سواسية" أي أشباه، قوله: "ظرابي": غربان، والظرابي جمع ظربان بفتح الظاء وكسر الراء، وهي دويبة منتنة، و "الغربان": جمع غراب، وجمع القلة أغربة، و"المجرودة" من جردت الأرض، إذا أكل الجراد نَبْتَهَا فصارت سوداء، والتقدير: بأرض مجرودة، قوله: "محل" صفة أخرى، يقال: أرض محل، وأرض محول؛ كما يقال: أرض جدبة، وأرض جدوب، و "المحل": انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ، قوله: "أنا الذائد" بالذال المعجمة في أوله من ذاد يذود إذا منع، ويقال: أين الذود؟ وهو الطرد، وقال الجوهري: الذياد: الطرد، يقال: ذدته عن كذا ذيادًا وذدت الإبل: سقتها وطردتها والتذويد مثله ورجل ذائد وذوّاد: أي حامي الحقيقة دفاع 1، و "الحامي" من الحماية؛ وهي الدفع وهذا شيء حِمًى على فِعَل؛ أي محظور لا يقرب، و "الذمار" بكسر الذال المعجمة وتخفيف الميم ما لزمك حفظه مما وراءك ويتعلق بك، وإنما سمي ذمارًا؛ لأنه يجب على أهله التذمر له أي؛ التشمر لدفع العار عنه، يقال: ذمرته أذمره ذمرًا إذا حثثته ومنه الذِّمَرِّ بكسر الذال وكسر الميم وتشديد الراء مثل فلز؛ وهو الشجاع، ويقال: الذمار: العهد، وفي حديث أبي سفيان [- رضي الله عنه -] 2 قال: "يوم الفتح حبذا يوم الذمار" 3. يريد: الحرب؛ لأن الإنسان يقاتل على ما يلزمه حفظه، وفي الحديث: "فخرج يتذمر" أي يعاتب نفسه ويلومها على فوات الذمار.
والمعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، وقال الزوزني 4: معناه: ما يدافع عن أحساب قومه إلا أنا ومن يماثلني في إحراز الكمالات، فصل مع إنما كما ترى.
الإعراب:
قوله: "أنا الذائد" جملة من المبتدأ والخبر، و "الحامي" خبر بعد خبر، قوله: "الذمار" يجوز فيه النصب والجر، فالنصب على المفعولية، والجر على الإضافة، قوله: "أنا" فاعل لقوله: "يدافع"، و "أو مثلي" عطف عليه، وقصد الفرزدق بهذا التركيب القصر والاختصاص 5، أما القصر؛ فلأنه ذكر إنما، وهي من أدوات القصر، وأما الاختصاص فبتقديمه: "عن أحسابهم" على قوله: "أنا"؛ وذلك لأن غرضه كان تخصيص المدافع لا المدافع عنه، فلذلك أخَّر أنا؛ إذ لو
قال: "وإنما أدافع أنا عن أحسابهم" لصار المعنى إلى أنه يزعم أن المدافعة تكون عن أحساب غيرهم؛ كما إذا قال: وما أدافع إلا عن أحسابهم، وليس ذلك مقصوده، بل مقصوده أنه يزعم أن المدافعَ هو لا غيره.
فإن قلتَ: لمَ لا يجوز أن يكون ذلك للضرورة؟
قلتُ: لا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة؛ لأن أدافع ويدافع واحد في الوزن.
فإن قلتَ: كان يمكنه أن يقول: فإنما أدافع عن أحسابهم أنا، فيقدم الأحساب على أنا.
قلتُ: لو كان كذلك كان الفاعل الضمير المستكن في الفعل، وكان "أنا" الظاهر تأكيدًا له والحكم يتعلق بالمؤكد دون التأكيد؛ لأن التأكيد كالتكرير، فلا يجيء إلا بعد نفوذ الحكم، فلا يكون تقديم: "عن أحسابهم" على الضمير الذي هو تأكيد تقديمًا على الفاعل؛ لأن تقديم المفعول 1 على الفاعل إنما يكون إذا ذكرت المفعول قبل أن تذكر الفاعل، لا بعد أن تذكر الفاعل، وقبل أن تذكر تأكيده، ولا سبيل لك إذا قلت: أنا أدافع عن أحسابهم إلا 2 أن تذكر المفعول قبل ذكر الفاعل؛ لأن ذكر الفاعل هنا هو ذكر الفعل، من حيث إنه مستكن في الفعل فكيف يتصور تقديم شيء عليه؟ 3.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وإنما يدافع عن أحسابهم أنا" حيث أتى فيه بضمير منفصل لغرض القصر فلم يتأت له الاتصال لمعنى إلا؛ لأنا قد قلنا: إن معنى: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا: ما يدافع [عن أحسابهم] 4 إلا أنا.
فافهم فإنه دقيق 5، وقال الشيخ عبد القاهر 6: ولا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة؛ لأنه ليس به ضرورة، وقد حققناه 7.