الشاهد الرابع والعشرون بعد المائة
2، 3 ذَاكَ خَليلي وذُو يُوَاصِلُنِي... يَرْمي وَرَائِي بامْسَهْمٍ وأمْسَلَمَهْ أقول: قائله هو بجير بن غنمة أحد بني بولان بن عمرو بن الغوث بن طيئ، وبولان: حي من طيئ، وهو أخو خالد بن غنمة الطائي، وهو شاعر جاهلي مقل، وركب ابن الناظم، وأبوه 4 أيضًا صدر البيت على عجز بيت آخر؛ فإن الرواية فيه: وإنَّ مَوْلايَ ذُو يُعَيِّرُنِي... لا إِحنَةِ بينَنَا ولا حَرَمَهْ يَنْصُرُنِي مِنْكَ غَيرَ مُعْتَذِرٍ... يرمي ورائي بامسهم وامسلمه وفي رواية الجوهري: وذو يعاتبني 5، وكذا أنشده السهيلي 6.1
وهو من المنسرح، وهو الثاني من الدائرة الرابعة، وهي الدائرة المسماة بدائرة المشتبه، وهي مشتملة على ستة أبحر، وهي 1: السريع والمنسرح والخفيف والمضارع والمقتضب والمجتث، وهو في أصل الدائرة: مستفعلن مفعولات مستفعلن 2 مرتين، وله ثلاثة أعاريض وثلاثة أضرب 3 وهو مطوي العروض والضرب.
قوله: "خليلي" أي: صاحبي، قوله: "وذو يواصلني" أي: الذي يواصلني، قوله: "بامسهم" أي: بالسهم، قوله: "بامسلمة" أي: والسلمة، وهذا 4 على لغة أهل اليمن؛ فإنهم يجعلون عوض اللام ميمًا، فيقولون في الرجل: امرجل 5، وفي الصحاح: هذه لغة حِمْير 6، وقال في المغرب: لغة طيئ، ومنه الحديث الذي رويناهُ من طريق الإمام أحمد رحمه الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس من امبر امصيام في امسفر" 7، يريد: ليس من البر الصيام في السفر، و "السلمة" -بفتح السين واللام؛ واحدة السلم، وهي شجرة من شجر العضاة؛ كذا فسره البعلي في شرح الجرجانية 8، وتبعه على هذا أيضًا بعض المتأخرين، وليس كذلك، والصحيح أن السلمة ها هنا -بكسر اللام، هي واحدة السلم وهي الحجارة، ولما ذكر الجوهري السلمة بكسر اللام استشهد عليه بهذا البيت 9، والمعنى أيضًا يناسب هذا التفسير فافهم.
و"بنو سلمة" بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة -بكسر اللام سواهم، والسلمة- بفتح اللام: واحدة السلم بالفتح، وهو شجر العضاة، وسلمة أيضًا اسم رجل.
الإعراب:
قوله: "ذاك": مبتدأ، و "خليلي": خبره، قوله: "وذو": موصول، وصلته قوله: "يواصلني" وهو عطف على الخبر، قوله: "يرمي": خبر ثان، ويجوز أن يكون حالًا، ويقال: الواو في "وذو يعاتبني" زائدة.
والجملة صفة لقوله: "ذاك" الذي هو مبتدأ، وقوله: "خليلي": بدل من ذاك، وقوله: "يرمي": خبر المبتدأ، وقال الشيخ جمال الدين: زعم الجوهري أن الواو زائدة، وكان ذلك؛ لأنه رأى أن قوله: "يرمي" محط الفائدة، فقدره خبرًا 10، وقدر "خليلي" تابعًا للإشارة
لأنه بدل منها، لا نعت، بل ولا بيان؛ لأن البيان بالجامد كالنعت بالمشتق، ونعت الإشارة بما ليست فيه "أل" ممتنع، وبهذا أبطل أبو الفتح كون (بَعْلِي) فيمن رفع (شيخًا) بيانًا انتهى (1).
قلت: فيه نظر من وجهين:
الأول: أن زيادة الواو قليلة.
والثاني: أن اسم الإشارة لا يوصف إلا بما فيه "أل"؛ كما تقول: يا هذا الرجل، وهو وصلة لندائه، ويكون حينئذ كأي في لزوم نعته ووجوب رفعه، أو بموصول مصدر بأل نحو: يا هذا الذي فعل كذا (2)، قوله: "ورائي" نصب على الظرف، قوله: "بامسهم": جار ومجرور يتعلق بقوله: يرمي، وقوله: "وامسلمة": عطف عليه.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "على أن "ذو" بمعنى الذي للمذكر؛ كما أن ذو بمعنى التي في قوله (3):
.......................... وبئري ذو حفرت وذو طويت
والزمخشري استشهد به على مجيء الميم مكان لام التعريف في الموضعين (4).