الشاهد السادس والعشرون
4، 5 تلاعب الريح بالعصرين قسطله... والوابلون وتهتان التجاويد أقول: قائله هو أبو صخر 6 واسمه عبد الله بن مسلم السهمي الهذلي، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأمويَّة، وكان مواليًا لبني أميَّة متعصبًا لهم، وحبسه ابن الزُّبير 7 - رضي الله [تعالى] 8 عنهما - إلى أن قتل، وهو من قصيدة دالية أولها: 1 - عَرَفْتُ بن هنْدَ أطلالًا بِذِي التُّودِ... قَفْرًا وَجَاراتِها البِيضِ الرَّخاويد 2 - وَحشًا سِوَى زَجَل القُمريّ كُلِّ ضُحَى... والمطفِلاتِ وَفُرَّاد مَوَاحِيدِ 3 - وَغَيرَ أشعثٍ قَد بَلَّ الزَّمَانُ بِهِ... مُقَلَّدٍ في حَديدِ التقريب مَوتُودِ 4 - يَرمِي بِدِق رَغَام الترب مصطبرًا... والجلِّ كُلَّ غَدَاة من حَصَا البيدٍ 5 - وَصَفَّ أَحْدَبَ شقَّته وليدتُهَا... تُبَادِرُ السَّيلَ بالمسحَاة مَخْدُودِ123
6 - وغيرَ وتْرٍ ظُؤَار حَوْلَ مُلتَبدٍ... هَابي الرّوَاكد من دَفَع الذَّكَا سُودِ
7 - مَحَا مَغَانيهُ جَولانُ منتَخلٍ... يَشتنُّ ريعانه بالموزِ مطرود
8 - تلاعب الريح بالعصرين قَسطَلَه... والوابلون وتهتانُ التَّجاويد
وهو من البسيط وفيه الخبن.
1 - قوله: "أطلالًا": جمع طلل؛ وهو ما شخص من آثار الدار، قوله: "بذي التود" بضم التاء المثناة من فوق وسكون الواو وفي آخره دال مهملة؛ وهو شجر، وذو التود: موضع سمي بهذا الشجر، ويروى بذي البيد بكسر الباء الموحدة.
قوله: "وجاراتها"؛ أي: وجارات هند، وهو جمع جارة، و "البيض" بكسر الباء الموحدة جمع بيضاء، و "الرخاويد": جمع رِخْوَدّة بالخاء المعجمة، ومعناها: الرخصة الناعمة.
2 - قوله: "والمطفلات" جمع مطفل، وهي الظبية معها 1 طفلها، وهي قريبة عهد بالنتاج، وكذلك الناقة، والقياس في جمع مطفل: مطافيل 2، "فُرَّاد" بضم الفاء وتشديد الراء جمع فارد، بمعنى منفرد، و "المواحيد" جمع ميحاد، والميحاد من الواحد كالمعشار من العشرة.
3 - قوله: "وغير أشعث" بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وفي آخره ثاء مثلثة؛ وهو الوتد، ولهذا وصفه بقوله: موتود، وهو من وتدت الوتد إذا دققته في الأرض، قوله: "قد بل الزمان به"؛ أي: ظفر الزمان به، يقال: بللت برجل صدق؛ أي: ظفرت به.
4 - قوله: "بِدقّ رَغَام التراب"؛ أي: بدقاقه، والرغام -بفتح الراء والغين المعجمة-: التُّراب، وصحت إضافته إلى التُّراب لاختلاف اللفظين، والجل بكسر الجيم وتشديد اللام؛
جلال التُّراب، والبيد بكسر الباء جمع بيداء.
5 - قوله: "مخدود" بالخاء المعجمة؛ أي محفور.
6 - قوله: "ظؤار" بضم الظاء المعجمة وفتح الهمزة وفي آخره راء؛ وهي الأثافي، سميت بذلك لتعطفها على الرماد، والملتبد: شجرة كثيرة 1 الأوراق، و"الرواكد": الرياح الساكنة من ركدت إذا سكنت، و "الذّكا" بالذال المعجمة؛ مقصور من ذكت النَّار تذكو أي: اشتعلت، و "السفع" بالضم؛ السود تضرب إلى العمرة، ومنه تسمى الأثافي سفعًا؛ لأنَّ النَّار سفعتها.
7 - قوله: "مغانيه" أي منازله، وأراد بالمنتخل: انتخال الودق والثلج، و "وريعان" الشيء: أوله، و "المنثور" بضم الميم؛ الغبار بالريح.
8 - وقوله: "بالعصرين" أراد بهما الغداة والعشي، قوله: "قسطله" بالقاف وبالسين وبالصاد أيضًا، وهو الغبار، وجاء فيه القسطال؛ كأنه ممدود منه مَع قِلّة فِعلال من غير المضاعف، وقال 2 أوس بن حجر يرثي رجلًا 3:
ولَنِعْمَ وفْدُ الْقَوم يَنتِظِروُنَهُ... ولَنِعمَ حشْوُ الدِّرع والسِّربَالِ
ولَنعْمَ مَثوَى المستضيفَ إذا دعَا... وَالخيلُ خَارجَةٌ من القَسطَال
[من الكامل] 4.
قوله: "والوابلون" جمع وابل.
قال الجوهري: والوابل: المطر الشديد، وقد وبلت السماء
تبل والأرض موبولة 1. قال الأخفش: ومنه قوله تعالى: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: 16]، أي شديدًا 2، وضرب وبيل وعذاب وبيل؛ أي: شديد، وقال البعلي 3: قالوا للمطر الذي يعظم شأنه ويعم نفعه وابلون.
قوله: "وتهتان التجاويد" التهتان بتاءين مثناتين من فوق مفتوحتين بينهما هاء ساكنة؛ نحو من الديمة.
قال أبو زيد 4 وأنشد 5:
يَا حَبَّذَا نَضْحُك بِالمشافر... كأنَّه تَهتَانُ يَوْم مَاطِر
من الرجز، وقال النضر بن شميل 6: التهتان مطر ساعة ثم يفتر ثم يعود، وأنشد للشماخ 7:
أَرْسَلَ يَوْمًا دِيمةً تهْتَانَا... سيلِ المتان يَمْلأُ القُربَانَا 8
والتهتان ها هنا مصدر على وزن تَفْعَال بفتح التاء للمبالغة كالتَرْدَاد والتَجْوَال، وكل ما جاء من هذه الصيغة فهو بالفتح إلَّا كلمتين جاءَتَا بالكسر وهما: تِبيَان وتِلْقَاء 9، يقال: هتن المطر والدمع يهتن هتنًا وهتونًا وتهتانًا إذا قطر، وسَحَابٌ هاتِنٌ وسَحَائِبُ هُتَّن نحو: رَاكِعٌ وَرُكَّعٌ، وسحاب هَتُون، والجمع هُتُن مثل عمود وعُمُدُ، و "التجاويد" أصله: الأجاويد جمع: أجواد، جمع: جود وهو المطر، والمعنى: وقطر الأمطار.
الإعراب:
قوله: "تلاعب" فعل، و: "الريح" فاعله (1)، وقوله: "قسطله" كلام إضافي مفعوله والباء في "بالعصرين" ظرفية تتعلق بتلاعب، قوله: "والوابلون" عطف على قوله الريح، و "وتهتان التجاويد" كلام إضافي عطف على "الوابلون".
فإن قيل: كيف إضافة التهتان إلى التجاويد؟
قلت: إضافة المصدر إلى فاعله، والمعنى وقطر التجاويد وسيلانها.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "والوابلون" فإنَّه جمع وابل، وقد جمعه في الشعر بالواو والنون مع أنَّه ليس بعَلَم ولا صفة ولا مسماه عاقل (2).