المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثالث والأربعون بعد الأربعمائة

الشاهد الثالث والأربعون بعد الأربعمائة

1، 2 يَمُرُّونَ بالدهْنَا خِفافًا عِيَابُهُمْ... وَيَخْرجْنَ من دَارِيْنِ بُجْرَ الحَقَائِبِ على حينَ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أمورهِمْ... فندْلًا زُرَيْقُ المال نَدْلَ الثَّعَالِبِ أقول: قائل هذين البيتين هو الأحوص، وهو محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري، وذكر في الحماسة البصرية أن قائلهما هو أعشى همدان يهجو بهما لصوصًا 3. وقال الجوهري: قال جرير يصف ركبًا: يمرون بالدهنا [إلى آخره 4، والأظهر ما قاله في الحماسة.
وهما من الطويل.
قوله: "بالدهنا"] 5 بفتح الدال المهملة وسكون الهاء بعدها نون، يمد ويقصر وهاهنا بالقصر للضرورة، وهو موضع ببلاد تميم، قوله: "عيابهم" بكسر العين المهملة وبالياء آخر الحروف وبعد الألف باء موحدة، وهو جمع عيبة، وهو ما يجعل فيه الثياب، ومن هذا يقال: فلان عيبة فلان إذا كان موضع سِرِّهِ.
قوله: "من دارين" بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مكسورة، وهو موضع في البحر يؤتى منه الطيب 6، قوله: "بجر الحقائب" بضم الباء الموحدة وسكون الجيم وفي آخره راء، وهو جمع بجراء وهي الممتلئة، والحقائب بالحاء المهملة والقاف وبعد الألف ياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة، وهو جمع حقيبة، وهي وعاء يجعل الرجل فيها زاده ويحتقبه الراكب خلفه في سفره.
قوله: "ألهى": من الإلهاء وهو الإشغال، وكل ما شغلك عن شيء فقد ألهاك، قوله: "فندلًا" من ندلت ندلًا -بالنون والدال المهملة، وهو الأخذ باليدين، ومنه اشتقاق المنديل، والندل -أيضًا- السرعة في السير.
قال البعلي: الندل: النقل والاختطاف وهو المراد هاهنا، ويقال: ندلت الدلو إذا أخرجتها من البئر 7.

قوله: "زريق" بضم الزاي المعجمة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره قاف، وهو اسم قبيلة، وقال الرشاطي: هو زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج، وهي قبيلة في الأنصار 1، والنسبة إليه: زُرَقِيّ [وفي طيء -أيضًا- زريق] 2 بطن بن عبد الله بن جدعة 3 بن زهير بن ثعلبة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء، وزريق: تصغير زَرق، وتصغير زُرق - أيضًا، وزرق العينين 4: هو خضرة الحدقة، ورجل أزرق وامرأة زرقاء.
الإعراب: قوله: "يمرون": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير الذي يرجع إلى التجار واللصوص 5 على ما ذكرنا من الاختلاف فيه، قوله: "بالدهنا" في محل النصب [على أنه] 6 مفعوله، قوله: "خفافًا" نصب على الحال، و "عيابهم" مرفوع به.
قوله: "ويخرجن": عطف على قوله: "يمرون" وإنما قال: يخرجن بنون جمع الإناث مع أن الضمير فيه يرجع إلى ما يرجع إليه الضمير الذي في "يمرون" على التأويل بالجماعة وهو غريب، قوله: "من دارين" يتعلق بقوله: يخرجن [قوله: "بجر الحقائب": كلام إضافي منصوب على الحال من الضمير الذي في: "يخرجن"] (7). قوله: "على حين" يروى بالإعراب والبناء، قوله: "ألهى الناس": جملة من الفعل والمفعول، وقوله: "جل أمورهم": كلام إضافي فاعل ألهى، قوله: "فندلًا": منصوب بفعل محذوف تقديره: اندل يا زريق ندلًا، "وزريقُ" منادى حذف حرف ندائه مبني على الضم.
قوله: "المال": منصوب بالفعل المحذوف -أعني: اندلي 7، قوله: "ندل الثعالب": كلام إضافي منصوب بنزع الخافض، أي: كندل الثعالب، أي: كخطف الثعالب، وفي أمثال العرب: أخطف من ثعلب 8، وفي الحقيقة هي صفة لقوله: "فندلًا"، أي: فاندل يا زريق ندلًا كندل الثعالب.

الاستشهاد فيه: في قوله: "فندلًا"؛ إذ التقدير فيه: اندلي ندلًا؛ كما ذكرنا، وهو من قبيل المصدر الذي يأتي بدلًا من اللفظ بفعله؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] أي: فاضربوا (1).

جارٍ التحميل