المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الأربعون بعد المائتين

4، 5 مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا... فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ أقول: قائله هو سعد بن مالك بن ضبيعة جد طرفة، وهو من قصيدة حائية، وأولها هو قوله: 1 - يا بُؤسَ للحربِ التَّي... وضَعَتْ أراهِطَ فاسْتَراحَوُا 2 - والحربُ لا يَبْقَى لِجَا... حِمِهَا التخيُّلُ والمِرَاحُ 3 - إلا الفَتَى الصَّبارُ في النـ... ـجدَاتِ والفَرسُ الوقَاحُ 4 - والنثرةُ الحَصْداءُ والـ... بَيضُ المكلَّلُ والرِّمَاحُ 5 - وتساقطُ التَّنْوَاط والـ... ــذَنَبَاتُ إذْ جَهَدَ الفِصَاحُ 6 - كَشَفَتْ لَهُم عَن سَاقِها... وبَدا من الشرِّ الصُّراحُ123

7 - فالهمُّ بَيْضاتُ الخدُو... رِ هُنَاكَ لا النَّعَمُ المُراحُ 8 - بِئْسَ الخَلَائِفُ بَعْدَنا... أولَادُ يَشْكُرَ واللِّقاحُ 9 - مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا............................ إلى آخره 10 - صَبْرًا بَنِي قَيْسٍ لها... حتَّى تُريحُوا أو تُرَاحُوا 11 - إنَّ المَوائلَ خَوْفَها... يَعْتَاقُهُ الأجلُ المُتَاحُ 12 - هَيهاتَ جال الموت دُونَ... الفَوْت وانتُضِي السِّلاحُ 13 - كيف الحياةُ إذا خَلَت... مِنَّا الظواهرُ والبِطَاحُ 14 - أَيْنَ الأعزة والأَسِنَّةُ... عند ذلك والرِّماح؟ وهي من الكامل وفيه الإضمار والترفيل، تقول: من صد عن: مستفعلن مضمر، نيرانها: مستفعلن مضمر، [فأنا ابن قي: متفاعلن سالم، سٍ لا براح: مستفعلاتن] 1 مضمر مرفل، وعلى هذا باقيه، الإضمار: أن يسكن الثاني فيصير متفاعلن فيرد إلى مستفعلن، والترفيل: زيادة السبب الخفيف على تفعيلته حتَّى تصير: متفاعلاتن، وفي المضمر: مستفعلاتن.
1 - قوله: [أراهط] 2 جمع الجمع، كأنهم قالوا: رهط وأرهط، ثم قالوا: أراهط.
2 - قوله: "لجاحمها" من جحمت النار إذا اضطربت ومنه الجحيم، قوله: "التخيل" المضاف فيه محذوف؛ أي: صاحب التَّخَيُّل، قوله: "والمراح" بكسر الميم؛ اسم من مرح يمرَح من باب علم يعلم مرحًا، والمرح: شدة الفرح.
3 - و"الصبار" مبالغة الصابر، قوله: "في النجدات" أي: في الشدائد، قوله: "والفرس الوقاح" بفتح الواو وتخفيف القاف؛ أي: الصلب الشديد يقال: حافر وقاح؛ أي؛ صلب شديد، ويجمع على وقح مثل: قَذَال وقُذُل.
4 - قوله: "والنثرة الحصداء" النثرة -بفتح النون وسكون الثاء المثلثة وفتح الراء: الدرع الواسعة، والحصداء: صفتها، ومعناها: المحكمة الشديدة؛ من قولهم: رجل مُحْصد الرأي؛ أي: شديده، "والبيض" بفتح الباء الموحدة وسكون الياءآخر الحروف؛ جمع بيضة، وهي الخودة، ويجوز أن يكون بكسر الباء جمع أبيض وهو السيف.
5 - "وتساقط التنواط": عطف على قوله: "وضعت أراهط" والتنواط بفتح التاء المثناة من فوق وسكون النون.

والمعنى: وتساقط الدخلاء الذين نيطوا بصميم العرب فلم يكونوا منهم، والتنواط في الأصل مصدر كالترداد، وُصِفُوا به كما يوصف بالمصادر، وقيل: [إن] 1 التنواط ما يعلق على الفرس من إداوة وغيرها، ثم أطلق على الدخلاء تشبيهًا بذلك، قوله: "والذنبات": عطف على التنواط وهي بفتح الذال المعجمة وفتح النون والباء الموحدة، وأراد بها التباع والعسفاء، ويقال: إن الذنبات لا يقال في الناس، وإنما يقال: أذناب، ولكن استعيرت هاهنا في الناس للأَتْبَاعِ والأُجَرَاء.
قوله: "إذ جهد الفضاح" أي: جد واشتد، وهو بفتح الهاء، قوله: "عن ساقها" المراد بالساق الشدة؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القدم: 42]، أي: عن شدة، قوله: "الصّراح" بضم الصاد وكسرها؛ أي: الخالص.
7 - قوله: "فالهم بيضات الخدور" أراد بها النساء؛ لأن المرأة تشبه ببيضة النعامة، قوله: "لا النعم المراح" بضم الميم وهو الموضع الَّذي تأوي إليه الإبل والغنم بالليل، والمراح - بالفتح: الموضع الَّذي يروح منه القوم أو يروحون إليه.
8 - قوله: "الخلائف": جمع خليفة، قوله: "أولاد يُشْكُر" بفتح 2 الياء آخر الحروف وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وفي آخره راء، وهو اسم قبيلة، وهو يشكر بن بكر بن وائل، قوله: "واللِّقاح" بفتح اللام وأراد به: بني حنيفة، وكانوا يلقبون بذلك؛ لأنهم كانوا لا يدينون للملوك.
9 - قوله: "من صد" أي: من أعرض "عن نيرانها" أي: نيران الحرب، قوله: "فأنا ابن قيس لا براح" أي: لا براح لي، أي: ليس لي براح.
والمعنى: إن أَعْرَض أولاد يشكر وأولاد بني حنيفة: عن نيران الحرب فأنا ابن قيس لا براح لي عن موقفي في الحرب.
10 - قوله: "صبرًا بني قيس" يعني: اصبروا يا بني قيس.
11 - [قوله] 3: "إن الموائل": جمع موئل وهو الملجأ، قوله: "يعتاقه" أي: يحسبه ويصرفه عنه، وثلاثيه عاقه من كذا يعوقه، قوله: "المتّاح" بفتح الميم وشديد التاء المثناة من فوق أي: الأجل الطويل، يقال: ليل متاح إذا كان طويلًا.

12 - قوله: "جال الموت" من الجولان بالجيم 1. 13 - قوله: "الظواهر" أراد بها أشراف الأرض، و"البطاح" بكسر الباء الموحدة؛ جمع أبطح، وهو مسيل [الماء] 2 واسع فيه دقاق الحصى.
الإعراب: قوله: "من": شرطية، و"صد": فعل الشرط وفيه ضمير فاعله يعود إلى "مَن" قوله: "عن نيرانها": يتعلق بقوله "صد" والضمير يرجع إلى الحرب كما ذكرنا، والحرب مؤنثة، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَربُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4] قوله: "فأنا": مبتدأ، و"ابن قيس": كلام إضافي خبره، والجملة جزاء الشرط.
قوله: "لا": بمعنى ليس، و"براح": مرفوع لأنه اسم لا، وخبرها محذوف تقديره: "لا براح لي" أي: ليس لي براح.
فإن قلت: لا براح ما موقعها؟ فهل لها محل من الإعراب أم لا؟ قلت: هي استئناف، كأنه قال: أنا ابن قيس الَّذي عُرِفت بالشجاعة فلا يحتاج إلى البيان، ثم قال على سبيل الاستئناف؛ لا براحُ لي، ويجوز أن تكون هذه الجملة منصوبة المحل على الحال المؤكدة من قوله "أنا ابن قيس" كأنه قال: أنا ابن قيس ثابتًا في الحرب، وذلك نحو قولك: زيد أبوك عطوفًا، وقد قيل: إن هذه الجملة تقرير للجملة السابقة، والبراح: مشترك بين المكان والزمان، تقول: ما برحت من مكاني براحًا وبروحًا، وما برحت أفعل كذا براحًا.
الاستشهاد فيه: في قوله: "لا براح" حيث استعمل الشاعر لا بمعنى ليس، فقال: لا براح في تقدير: ليس براح، وإن كان ذلك قليلًا 3، وقيل: لا شاهد فيه لجواز أن يكون براح مبتدأ، وردَّ بأن لا الداخلة على الجمل الاسمية يجب إما إعمالها أو تكرارها، فلما لم تتكرر علم أنها عاملة، وأجيب بأن هذا شعر، والشعر يجوز فيه أن ترد غير عاملة ولا مكررة، ورد بأن الأصل كون الكلام على غير الضرورة 4.

جارٍ التحميل