الشاهد الخامس بعد التسعمائة
3, 4 فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا فِي مَقَامِنَا... ثلاثَتِنا حتى أُزِيرُوا المنَائِيَا أقول: قائله هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي، وهو ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان أسن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشر سنين، وكان إسلامه قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكان له قدر ومنزلة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قتل في وقعة بدر - رضي الله عنه -. ويقال: كان عبيدة أمير المسلمين يوم بدر، فقطعت رجله، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه على ركبته، وعاد من بدر فتوفي بالصفراء، وكان عمره حين مات ثلاثًا وستين سنة 5.12
وهو من قصيدة من الطويل قالها يوم بدر في قطع رجله وفي مبارزته هو وحمزة وعلي -رضي الله تعالى عنهم- حين بارزوا عدوهم، وأولها هو قوله 1:
1 - سَتبلغُ عَنَّا أَهْلَ مَكةَ وقْعَةً... يَهُبُّ لهَا من كان عنْ ذَاكَ نَائيَا
2 - بِعُتْبَةَ إِذْ ولى وَشيْبَه بَعْدَهُ... وَمَا كَانَ فيهَا كرُّ عتبة رَاضِيَا
3 - فَإنْ تَقْطَعُوا رجْلِي فَإني مُسلمٌ... أرجي بهَا عيشًا منَ الله دَانِيَا
4 - معَ الحُورِ أَمْثَال التمَاثيلِ أخلصَتْ... مَعَ الجنةِ العُلْيَا لِمَنْ كَانَ عَاليَا 2
5 - وبِعْتُ بهَا عَيشًا تعرفت صَفْوَهُ... وعَالجتُ حَتى فَقَدْتَ الأَدَانِيَا
6 - وأكَرَمَني الرحمَنُ مِن فَضل مَنِّهِ... بثَوبٍ منَ الإسْلامِ غَطَّى المسَاويَا
7 - وَمَا كَانَ مَكْرُوهًا إِلَيَّ قِتَالُهُم... غَدَاةَ دَعَا الأكفَاءَ مَنْ كَانَ دَاعيَا
8 - وَلم نبغ إِذْ سَالُوا النبيّ سواءنا... ثلاثتنا حَتى حَضَرنَا المنَادِيَا
9 - لَقِينَاهُم كالأُسد نَخْطِرُ بالقَنَا... نقاتلُ فيِ الرحْمَن مَنْ كَانَ عَاصيَا
10 - فما برحَتْ........................................... إلى آخره
المعنى ظاهر.
قوله: "ثلاثتنا" أراد به نفسه وعليًّا وحمزة -رضي الله عنهم-، قوله: "حتى أزيروا" بضم الهمزة وكسر الزاي؛ من مجهول أزار؛ من زار زيارة، و"المنائيا": جمع منية وهي الموت.
الإعراب:
قوله: "فما برحت" الفاء للعطف، وما برحت مثل ما زالت، و"أقدامنا": كلام إضافي اسمه، وقوله: "في مقامنا": خبره، والمعنى: أقدامنا ثابتة ومستمرة في مقامنا في الحرب ولم تتحرك خوفًا من القتل، قوله: "ثَلاثتنَا": كلام إضافي بدل من "نا" في قوله: "مقامنا".
قوله: "حتى" للغاية بمعنى إلى، يعني: إلى أن أزيروا المنايا، و"أُزيروا" على صيغة المجهول، والضمير المتصل 3 فيه مفعول ناب عن الفاعل، و"المنائِيا": مفعول ثان، وكان الأصل أن يقول: المنايا ولكن أظهر الياء المحذوفة للضرورة 4.
الاستشهاد فيه: في قوله: "ثلاثتنَا" فإنه بدل وهو اسم ظاهر من ضمير الحاضر وهو: "نا" في قوله: "في مقامنا" بدل كل من كل، وإنما جاز هذا البدل وإن كان لا يبدل ضمير المتكلم والمخاطب بدل كل لإفادته فائدة التوكيد من الإحاطة والشمول فافهم (1).