الشاهد الرابع والعشرون
2، 3
كِلاهُمَا حِينَ جَدَّ الْجَريُ بَينَهُمَا... قَدْ أَقْلَعَا وكِلا أَنْفَيهمَا رَابِي
أقول: قائله هو الفرزدق، وقد ترجمناه فيما مضى، وبعده 4:
2 - مَا بَالُ لَوْمَكَهَا إِذْ جِئْتَ تَعْتُلها... حين اقتحمتَ بها أُسْكفَّة البَابِ
وهما من البسيط وقافيته من المتواتر 5، وقد دخله الخبن والقطع.
قوله: "كلاهما" يعني: كلا الفرسين، قوله: "حين جد الجري"؛ أي: حين اشتد الجري وقوي لين الفرسين المذكورتين وهذا من الإسناد المجازي 6، وأصله: جدًّا في الجري؛ أي: اجتهدا فيه.1
قوله: "قد أقلعا" أي قد كفا عنه، يقال: أقلع عن كذا إذا كف عنه وامتنع، قوله: "رابي" اسم فاعل من ربا يربو ربوًا وهو النَّفَسُ العالي، يقال: ربا إذا أخذه الربو، وَرَبا الْفَرَسُ إذا انتفخ من عدو أو فزع، قال بشر بن أبي حازم 1:
كَأَنَّ حَفِيفَ منْخَرِه إِذَا مَا... كَتَمنَ الرَّبْوَ كِيرٌ مُستَعار 2
وهو من الوافر، والربو في الأصل الزيادة، ومنه: الربا لأن فيه فضلًا، وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: 10] أي: زائدة 3.
قوله: "تعتلها" من عَتَلَهُ إذا حمله حملًا عَنِيفًا، وقال ابن دريد: إذا جَذَبَهُ جَذْبًا عَنِيفًا 4، وقال صاحب العين: إذا أخذ بتلبيبه فجرَّ وذهب به 5، ومنه قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: 47].
قوله: "اقْتَحَمتَ بِهَا" من اقْتَحَمَ المنْزِلَ إِذَا هَجَمَهُ، و "أُسكفَّة" بضم الهمزة وتشديد الفاء؛ العتبة السفلى.
الإعراب:
قوله: "كلاهما" مبتدأ، وخبره قوله: "قد أقلعا" وهو العامل في قوله: حين جد الجري، و "الجري" بمعنى الجريان يجوز أن يكون مرفوعًا بقوله: "جد" الذي هو فعل ماض من جد يَجُد من باب نصر ينصر، ويجوز أن يكون مجرورًا بالإضافة على أن يكون الجد مصدرًا، والعامل [في] 6 بينهما هو قوله: "جَدَّ" في الحالتين.
قوله: "وكلا أنفيهما" كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "رابي" خبره، والجملة حالية.
= أو المبني للمفعول إلى الفاعل.
ينظر علم البيان د / عبد العزيز عتيق (147) ط. دار النهضة العربية.
الاستشهاد فيه:
في موضعين:
الأول: أنَّه اعتبر معنى (كلا) وثنى الخبر؛ حيث قال: "أقلعا".
الثَّاني: أنَّه اعتبر لفظ "كلا" ووحد الخبر حيث قال: "رابي".
ويقال: فيه استشهاد آخر حيث قال: "أنفيهما" ولم يقل آنافهما على الأفصح مثل قوله تعالى: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4].
قلت: فيه نظر من وجهين:
الأول: أنَّه لو قال آنافهما لخرج الكلام عن الوزن.
والثاني: أنَّه ذكر على الأصل؛ لأنَّ الفرسين ليس لهما إلَّا أنفان، وذكر الآناف وإرادة الأنفين مجاز، والأصل ترك المجاز إلَّا لنكتة، فافهم (1).