الشاهد التاسع عشر بعد المائة
1، 2
وإنَّ لِسَانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بها... وَهُو عَلَى مَن صَبَّهُ اللهُ عَلْقَمُ
أقول: هذا البيت أنشده قطرب، ولم يعزه إلى قائله، ويقال: إنه لرجل من همدان.
وهو من الطويل.
قوله: "شهدة" بضم الشين، وهو العسل المشمع، قال الجوهري: الشَّهْدُ والشُهْدُ.
العسل في شمعه، والشهد؛ يعني بالفتح: أخص منها؛ والجمع شهاد 3.
قوله: "وهوّ" بتشديد الواو، قوله: "صبه الله" من صببت الماء فانصب، أي سكبته فانسكب، قوله: "علقم" بفتح العين، وهو الحنظل.
المعنى: إن لساني مثل العسل إذا تكلمتُ في حق من أحبه، ولكن مثل الحنظل على من أبغضه؛ لأني أقدح فيه بالكلام.
الإعراب:
قوله: "لساني": كلام إضافي، اسم إن، وقوله: "شهدة": خبره، قوله: "يشتفى بها" جملة وقعت صفة لشهدة، قوله: "هو" مبتدأ، وخبره قوله: "علقم"، قوله: "على مَن" يتعلق بقوله: "علقم" على ما نذكره الآن.
الاستشهاد فيه:
على أربعة مواضع:
أحدها: تشديد واو "هوّ"، وذلك لغة هَمدان بإسكان الميم وبالدال المهملة، وكذلك 4 يفعلون في ياء "هيّ" كقوله 5:
والنفس مَا أُمِرَتْ بالعنف آبيَةٌ... وَهِيَّ إِن أُمِرَتْ باللُّطْفِ تَأْتَمِر = اسمًا مرادًا به زمان، وكون الضمير العائد عليه مجرورًا بفي التي تخطر بالبال كلما خطر به اسم الزمان.
ينظر توضيح المقاصد للمرادي (1/ 257)، والأشموني (1/ 174)، وتعليق الفرائد (2/ 224).
الثاني: تعليق الجار بالجامد لتأوله بالمشتق؛ وذلك لأن قوله: "هو علقم" مبتدأ وخبره -كما ذكرنا، والعلقم هو الحنظل، وهو نبت كريه الطعم، وليس المراد ها هنا، بل المراد: شديد أو صعب؛ فلذلك علق به "على" المذكورة، ونظيره قوله (1):
مَا أُمُّكَ اجْتَاحَتِ المنايَا... كُل فُؤَاد عَلَيك أُمٌّ
فَعَلَّقَ "عَلَى" بأُمّ لتأوله إياها بمشتقٍّ، وعلى هذا ففي قوله: "علقم" ضميرٌ؛ كما في قولك: زيد أسد؛ إذا أولته بقولك: شجاع، إذا أردت التشبيه.
الثالث: جواز تَقدُّم معمول الجامد المتأول بالمشتق؛ إذا كان ظرفًا، ونطر ذلك أيضًا في تحمل الضمير في قوله:
............................ كل فؤاد عليك أم
الرابع: وهو المراد به ها هنا: جواز حذف العائد المجرور بالحرف مع اختلاف المتعلق؛ إذ التقدير: وهو علقم على من صبَّه الله عليه، وهو نادر، وفيه شذوذ من وجه آخر، وهو اختلاف متعلق الحرفين؛ فإن "على" الظاهر متعلق بقوله: "علقم"؛ كما ذكرنا، و "على" المقدر يتعلق بقوله: "صبَّه" (2).