المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الخامس بعد المائتين والألف

3، 4 لنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضحى... وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا أقول: قائله هو حسان بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -، حكى ابن قتيبة أن حسانًا فاخر النابغة الذبياني في خبر مستفيض، وقال له النابغة: إنك شاعر لولا أن بيتك معيب من ثلاثة أوجه؛ لأنك قلت:12

جفنات وأسياف ويقطرن، ولم تقل: جفان وسيوف ويجرين، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، وقلت: يلمعن بالضحى ولم تقل: يبرقن في الدجى، ولو قلت كان أبلغ في المدح لأن؛ الضيف بالليل أكثر.
وقد زيد في هذا البيت نقد في أربعة مواضع أخر هي قوله.
"الغر" ولم يقل البيض لأن الغرة؛ يسيرة، و "يلمعن" ولم يقل يشرقن ونحو ذلك مما يقتضي بياض الشحوم، و "بالضحى" ولم يقل: وبالضحاء؛ لأنه أوسع وقتًا وقال: "دمًا" ولم يقل دماء.
وقال الأعلم: هذا كله تكلف وتعسف، وقد حكى أبو الفتح عن أبي علي أنه طعن في هذه الحكاية عن النابغة 1. وقال ابن يسعون: نقد هذا البيت من جهة اللفظ ساقط لأن الجمع في: "الجفنات" نظير قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: 37]، وأما "الغر" هاهنا ليس بجمع غرة كما تقدم، وإنما الغر البيض المشرفات من كثرة الشحوم وبياض اللحوم، وهي جمع غراء هاهنا، ويجوز أن يريد بالغر المشهوره المنصوبة للقرى.
وكذلك قوله: "يلمعن" هو المستعمل في هذا النحو الذي يدل على البياض؛ كما تقول: لمع السراب ولمع البرق، وكذلك: الضحى والضحياء في ذلك لأنهما بمعنى واحد عند جماعة من العلماء على أن الضحى أدل على تعجيلهم القرى.
وأما قوله: "يبرقن في الدجى" أبلغ في المدح فساقط -أيضًا- لأنه إنما أراد هنا أن طعامهم موصول وقراهم في كل وقت مبذول؛ لأنه قد وصف قبل هذا قراهم بالليل حيث قال: وإنَّا لَنقْرِي الضَّيفَ إنْ جاءَ طَارقًا... مِنَ الشَّحمِ مَا أضْحَى صَحيحًا مُسَلَّمَا ويروى: ما أمسى، وأما قوله: "يقطرن" فهو المستعمل في مثل هذا، يقال: سيفه يقطر دمًا ولم تجر العادة أن يقال: سيفه يسيل دمًا أو يجري دمًا مع أن يقطر أمدح لأنه يدل على مضاء السيف وسرعة خروجه عن الضربة حتى لا يكاد يعلق به دم.
والبيت المذكور من الطويل، وبعده 2:

2 - ولدْنَا بَنِي العَنْقَاءِ وابْنَيْ مُحَرِّقٍ... فَأكْرِمْ بِنَا خالًا وأكرمْ بنا ابنمَا 3 - متى ما تَزُرْنَا مِنْ مَعَدٍّ بعُصْبَةٍ... وغسّان نمنعْ حَوْضَنَا أنْ يُهَدَّمَا 4 - بكلِّ فَتًى عارِي الأشَاجِعِ لَاحَهُ... قرَاعُ الكُمَاةِ يَرْشَحُ المسكَ والدَّمَا 5 - أبَى فِعْلُنَا المعروفُ أنْ ننطِقَ الخَنَا... وقائلُنا بالعُرْفِ إلا تكلُّمَا 1 - قوله: "الجفنات": جمع جفنة وهي القصعة، قوله: "الغر" بضم الغين المعجمة؛ جمع غراء وهي البيضاء، قوله: "يلمعن": من لمع البرق إذا أضاء، قوله: "من نجدة" أي: من شجاعة وشدة.
الإعراب: قوله: "لنا الجفنات" مبتدأ وخبر، و "الغر": صفة الجفنات، قوله: "يلمعن": جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على الحال من الجفنات، قوله: "بالضحى" الباء فيه ظرفية، أي: في الضحى، قوله: "وأسيافنا": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "يقطرن" خبره، قوله: "من نجدة": كلمة من هاهنا للبيان والتبعيض، قوله: "دمًا": واحد وضع موضع الجمع لأنه جنس، وقد يكون مصدر دمى يدمي [دمًا] 1، فوقع موقع العين وإن كان حدثًا فيكون حينئذ للكثرة.
الاستشهاد فيه: في قوله: "الجفنات" حيث جمعت بالألف والتاء في القلة، وأما في التكثير فقد اطرد جمع مثل هذا البناء في الكثرة على: فِعال كالجفان ونحو ذلك 2، وقال ابن أم قاسم: الاستشهاد في الجفنات وأسيافنا فإن المراد بهما التكئير 3. وقال الركني: القياس: الجفان والسيوف؛ لأنه مدح، واعُتِذَر بأن كل [واحد] 4 منهما بستعمل موضع الآخر على سبيل الاستعارة، بأن جعلت جمع القلة كالكثرة مرادًا منهما وبالعكس ادعاء، سواء وجد صيغته الأصلية كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقره: 228] موضع قراء، أو لا كثلاثة رجال؛ إذ لم يوجد من لفظه جمع قلة، قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: 37] مع أن في الجنة غرفًا كثيرة 5.

جارٍ التحميل