الشاهد الثامن بعد الثلاثمائة
1, 2
إن الشبابَ الذي مَجْدٌ عَوَاقِبُهُ... فِيهِ تَلَذُّ ولَا لذَّاتِ لِلشِّيب
أقول: قائله هو سلامة بن جندل 3 بن عبد عمرو بن عبيد بن الحرث بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم بن مُرّ بن أدّ بن طانجة بن إلياس بن مضر السعدي وهو من قصيدة بائية من البسيط وأولها هو قوله 4:
1 - أَوْدَى الشبابُ حَميدًا ذو التعاجِيبِ... أَوْدَى وذلك شَأْوٌ غَيرُ مَطلُوبِ
2 - ولَّى حَثِيثًا وهذا الشيبُ يطلبهُ... لَو كَانَ يُدرِكُهُ رَكَضَ اليعاقِيبِ
3 - أَوْدَى الشبابُ الذي مَجْدٌ عَوَاقِبهُ... فِيه تَلَذ ولا لَذّاتٍ لِلشيبِ
4 - يومان يَوْمُ مَقَامات وأنْدِيةٍ... وَيَوْمُ سَير إلى الأعداء تأويب
5 - وكَرُّنَا خَيلَنا أَدْرَاجَها رُجُعًا... كُسَّ السَّنَابِك من بَدءٍ وتَعْقيب
6 - والعادياتُ أسابِي الدماء بها... كأن أعْنَاقَهَا أنصابُ تَرجيب
7 - مِنْ كُلِّ حتٍّ إذا ما ابتل مُلبَدُهُ... صافي الأَدِيمِ أسيل الخدّ يَعْبُوب
8 - ليس بِأسفَى ولا أقنى ولا سَغِلٍ... يُعطى دَواءَ قفي السّكْنِ مربوب
9 - في كل قائمةٍ منْهُ إذا اندَفَعَتْ... منه أساوٍ كَفَرْغ الدلْو أُثْعوب
وجملتها تنوف 5 على ثلاثين بيتًا.
1 - قوله: "أودى" أي: ذهب وفات، وشباب كل شيء: أوله ["وحميدًا": حال من الشباب، قوله: "ذو التعاجيب" ويروى: ذو الأعاجيب؛ جمع أعجوبة] 6.
والمعنى: كان الشباب كثير العجب يعجب الناظرين إليه ويروقهم، والتعاجيب: العجب
يقال: إنه جمع لا واحد له، كما قالوا: تعاشيب للعشب وتباشير للصبح، وإنما كرر أودى الثاني على التفجع، ويروى: ولى، قوله: "وذلك": إشارة إلى الإيداء الذي يدل عليه أودى، و"الشأو": الطلق 1؛ أي: ذلك الطلق بعيد قد مضى فهو لا يدرك.
2 - قوله: "ولى حثيثًا" أي: مسرعًا، قوله: "لو كان يدركه ركض اليَعاقيب" أي: لو أدركه ركض اليعاقيب لطلبناه ولكن لا يدرك، وهو جمع يعقوب وهو ذكر الحجل، وخص اليعقوب لسرعته.
3 - قوله: "أودى الشباب الذي مجد عواقبه"، ويروى: ذاك الشباب الذي، ويروى: إن الشباب الذي.
وقال الشيخ جمال الدين بن هشام: أنشده ابن مالك: أودى الشباب الذي، وهذا تحريف منه والصواب: إن الشباب الذي.
وقوله: "فيه تلذ" خبر لإن، وعلى ما أورده لا يكون له ما يرتبط به، والذي أوله: "أودى" بيت آخر، وهو أول القصيدة وهو:
أودى الشباب حميدًا...................................
قلتُ: ما أورده المفضل بن محمَّد الضبي في المفضليات هو كما أورده ابن مالك:
أودى الشباب الذي مجد عواقبه....................................
ثم قال في شرحه: ويروى: ذاك الشباب، ولم يتعرض أصلًا إلى "إن"؛ فلا فائدة حينئذ في التشنيع عليه.
قوله: "مجد عواقبه" يعني: إذا تُعقبِتْ أمور الشباب وجد في عواقبه العز وإدراك الثأر والرحلة في المكارم وليس في الشيب ما ينتفع به وإنما فيه الهرم والعلل.
ويقال: معناه: آخر الشباب محمود ممجد، إذا حل الشيب ذكر الشباب فحمد وذم الشيب.
قوله: "فيه تلذ" أي: في الشباب لذَاذَةٌ وطيب، يقال: رجل لذ من قوم لذ، وقد لذ الشيء لذاذة، و"الشيب" بكسر الشين؛ جمع أشيب، وهو المبيض الرأس، وقد شاب رأسه شيبًا وشيبة فهو أشيب على غير قياس؛ لأن هذا النعت إنما يكون من باب فعل يفعل مثل: عَلِم يَعْلَم، والشيب بفتح الشين وهو المشيب.
قال الأصمعي: الشيب: بياض الشعر، والمشيب: دخول الرجل في حد الشيب 1.
4 - قوله: "مقامات" بفتح الميم؛ جمع مقامة وهي المجلس، ويروى بضم الميم بمعنى الإقامة، و"الأندية": جمع ندى وهو ما حول الدار وإن لم يكن مجلسًا, ولكن أراد بالأندية المجالس، قوله: "تأويب" هو سير يوم إلى الليل.
5 - قوله: "وكرنا" الكر: الوجوع، "وأدراجها": آثارها.
والمعنى: نَرُدُّها إذا رجعنا من غزونا في الطريق الذي ذهبت فيه [يقال: رجع أدراجه إذا رجع في الطريق] 2 الذي جاء منه.
قوله: "رُجُعًا" بضمتين؛ جمع رجيع؛ أي: مهازيل ضامرة، يقال: فرس رجيع سفر ونضو سفر وبلو سفر وبلى سفر، قوله: "كُسّ السنابك" بضم الكاف وتشديد السين المهملة؛ وهو جمع أكس؛ وهو المتثلم الذي قد كَسَرَهُ طول السير، وهو مأخوذ من قولهم: رجل أكس وامرأة كساء وهما اللذان تحاتت أسنانهما وقصرت، والسنابك: مقاديم الحوافر، واحدها سنبك، "والبدْء": الغارة الأولى، "والتعقيب" الغارة الثانية.
6 - قوله: "والعاديات" هي الخيل، واحدها 3 عاد، والأنثى عادية، والعادية أيضًا الجماعة يعدون على أرجلهم، قوله: "أسأبِيّ" بفتح الهمزة والسين المهملة وبعد الألف جاء موحدة مكسورة وياء مشددة، وهي الطرائق من كل شيء، الواحدة إسباءة، قوله: "أنصاب ترجيب" بالجيم؛ أي: كأن أعناقها حجارة تنصب ليذبح عليها، والترجيب: التعظيم.
7 - قوله: "من كل حت" أي: سريع، قوله: "مُلْبَده" بضم الميم وسكون اللام وفتح الباء الموحدة والدال؛ أي: موضع لبده، أراد إذا ابتل من العرق صافى الأديم لحسن القيام عليه، وقوله: "يعبوب" أي: طويل، ويقال: كريم، ويقال: كثير الجري، مشتق من عباب البحر.
8 - قوله: "بأسفى" بالفاء، وهو الخفيف الناصية، "والأقنى" بالقاف والنون؛ الذي في أنفه احديداب، و"السغِل" بفتح السين المهملة وكسر الغين المعجمة؛ وهو المضطرب الأعضاء، ويروى: الأصقل بالقاف، ويروى: والأصغل بالصاد والغين المعجمة، قوله: "يعطى دواء": صفة لقوله: "ولا سَغِل"، وقوله: "قفى السكن": أضيف إلى الدواء، والقفية: الأثرة، يقال: أقفيت الرجل بكذا وكذا إذا آثرته، "والسكن" -بفتح السين: جمع ساكن، "والمربوب": من التربية، أراد: أنه لا يرسل مهملًا ولكنه يحبس عند البيوت ويصان ويعطى قوت السكن كله.
9 - قوله: "أساو" أي: دفعات من الجري، ويروى: أسأت وأساب -أيضًا-، شبهها في كثرتها بانصباب الدلو بالماء في السهولة، والأثعوب: السائل، ومنه سمي المثعب وهو الميزاب.
الإعراب:
قوله: "الشباب": اسم إن، وخبره الجملة الفعلية التي هي "تلذ فيه"، قوله: "الذي مجد عواقبه": صفة للشباب، و"الذي": موصول، وصدر صلته محذوف، والتقدير: الذي هو مجد عواقبه وهو مبتدأ، و"مجد عواقبه": خبره، و"عواقبه": مرفوع بالمجد، والمصدر يعمل عمل فعله كما عرف في موضعه.
قوله: "ولا لذات" كلمة لا [التي] (1) لنفي الجنس، وقوله: "لذات": اسمه، والخبر محذوف تقديره: ولا لذات حاصلة للشيب.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ولا لذات" حيث يجوز في لذات البناء على الفتح والكسر جميعًا؛ لأن اسم لا إذا كان جمعًا بألف وتاء يجوز فيه الوجهان: البناء على الفتح، والبناء على الكسر، والفتح أشهر؛ كذا قاله ابن مالك (2).