الشاهد الثامن والعشرون
2، 3 دَعَانِي منْ نَجْدٍ فَإن سِنِينَهُ... لَعِبْنَ بِنَا شِيبًا وَشَيَّبنَنَا مُرْدَا أقول: قائله هو الصِّمة بن عبد الله بن الطفيل بن قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير ابن قشير بن كعب بن ركعة بن عامر، شاعر إسلامي بدوي مقل، من شعراء الدولة الأموية، ولجده قرة بن هبيرة صحبة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أحد وفود العرب عليه، وكان الصمة يَهْوَى بِنْتَ عَمٍّ له دنية أوثر عليه في تزويجها غيره؛ لأنَّ عَمَّهُ لَؤُمَ في المهر واشتط فيه، ولؤم أبوه في إكماله، فأنف الصمة من فعلهما وخرج إلى طبرستان، وهي مقر الدولة فأقام بها حتَّى مات، وخبره مشهور، والبيت، المذكور من قصيدة أولها هو قوله:1
1 - خَليلَيَّ إن قَابَلْتُمَا الهَضْبَى أَوْ بَدَا... لَكُم سَنَدَ الْوَركَاء أن تَبكيَا جَهْدَا
2 - سَلا عبدًا لعلي حيث أَوْفَى عَشِيَةً... خزَازي ومد الطرف هل أنسى النَّجْدَا
3 - فما عنَّ قِلَى للنجد أصبحت ها هنا... إلى جبل الأوشال مُسْتَخْبيًا بُردَا
4 - دَعَاني من نجد فإن سنينَه... لعبن بنا شيبًا وشيبننا مُردا
5 - لَحَا الله نجدًا كَيفَ يَتْرُكُ ذَا النَّدى... بَخيلًا وحُرَّ الناسِ تحسَبُه عَبدَا
6 - عَلَى أَنَّ نجدًا قَدْ كَسَاني حُلَّةً... إِذَا مَا رَآنِي جاهلٌ ظَنَّنِي عبدَا
7 - سَوَادًا وأَخْلاقًا من الصُّوف بَعدَمَا... أَرَانِي بنَجدٍ نَاعِمًا لابسًا بُردَا
8 - سَقَى الله نَجْدًا من ربيع وَصَيِّفٍ... وماذا تُرجي من ربيع سقى نجدًا
9 - ألم تر أن الليلَ يقصُر طوله... بنجد ويزدادُ النّطافُ به بُردَا
10 - عَلى أنَّه قد كان للعين قُرَّة... وللبيض والفتيان منزله حَمْدَا
وإنَّما قال هذه الأبيات، وقد اشتاق إلى ذي الود من وطنه بنجد، وهي من الطَّويل معروف، وفيه القبض.
1 - قوله: "الهَضْبُ" بفتح الهاء وسكون الضَّاد المعجمة، وهو موضع معروف، و "الوركاء" هضبة شمال يذبل؛ وهو جبل، والجمع ورك.
هكذا قال أبو علي الهجري في نوادره 1.
2 - وقوله: "سلا عبدًا لعلي" أصله عبد الأعلى، قوله: "خزازي" بالخاء المعجمة والزاءين المعجمتين، وهو اسم جبل توقد عليه العرب نار الغارة.
3 - قوله: "الأوشال" جمع وشل بالتحريك؛ وهو الماء القليل، ووشل اسم جبل عظيم بناحية تهامة، وفيه مياه عذبة، قوله: "مستخبيًا بردًا" أي متخذه خباءً.
4 - قوله: "دعاني"؛ أي: اتركاني؛ يخاطب خليليه، ومن عادة العرب أنهم يخاطبون الواحد بصيغة التثنية؛ كما في قول امرئ القيس 2:
قفَا نَبكِ من ذِكْرَى حَبِيب وَمَنْزلٍ....................................
فإن (قفا) صيغة تثنية يخاطب بها الواحد، وكذلك ها هنا (دعاني) صيغة تثنية يخاطب بها الواحد وهو صاحبه وخليله، [وأصله] 1 من يدع دع أي اترك، وهذا فعل قد أمات العرب استعمال ماضيه، فلا يقال: ودع، وهذا قول الجمهور من أهل الأدب 2.
ولكن قد جاء استعماله في القرآن على قراءة من قرأ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: 3] بالتخفيف 3، وروى بعضهم ذراني موضع دعاني ومعناهما واحد، وهو أيضًا أمر من يذر معناه يترك، ويجوز أن يراد به التأكيد؛ لأنهم يخاطبون الواحد بصيغة التثنية للتأكيد ومعناه: [دعني دعني، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] ومعناه] 4 ألق ألق 5.
قوله: "من نجد" النجدُ اسم للبلاد التي أعلاها تِهامَة واليمنُ، وأسفلُها العراقُ والشامُ، وأولها من ناحية الحجاز ذاتُ عرق إلى ناحية العراق.
قوله: "فإنّ سَنِينَهُ" جمع سنة، وفيها معنيان:
الأول: يراد به الأعوام مطلقًا.
والثاني: يراد به الأعوام المجدِبَة، يقال: أرض بني فلان سنة إذا كانت مجدبة، وأصل سنة سنوة، والمحذوف منها واو، ويقال: المحذوف منها الهاءُ، وأصلها: سنهة مثل: جبهة؛ لأنها من سنهْت النخلةُ إذا أتت عليها السنون، ونخلةٌ سنهاء إذا حملت سنة وتركت سنة وفي التصغير تقول: على الأول: سنية أصلها سنيوة، قلبت الواو ياء، وأدغمت الباء في الياء فصار سُنَيّة، وعلى الثَّاني: سُنَيهة، وإذا جمعتها بالواو والنون تقول: سنون بكسر السِّين، وبعضهم يقول: سنون بضم السِّين 6، وأمَّا الكلام في حركة النون فيجئ عن قريب إن شاء الله تعالى-.
قوله: "شِيبًا" بكسر الشين؛ جمع أشيب وهو المبيضُّ الرأس، وقد شاب رأسُه شيبًا وشيبةً فهو أشيب على غير قياس؛ لأنَّ هذا النعت إنَّما يكون من باب فَعِل تفعَل مثل: عَلِم يعلَمُ، والشيب بفتح الشين المعجمة هو المشيب وقال الأصمعي: الشيب بياض الشعر والمشيب: دخول الرجل في حد الشيب 7.
قوله: "شَيَّبنَنَا" من شيّب بالتشديد يُشيّبُ تَشْييبًا، قوله: "مُردًا" جمع: أمرد، يقال: غلامٌ أمرد بيِّن المَرَد بالتحريك من قولهم: رملةٌ مرداء: لا نبت فيها، وغصن أمرد: لا ورق عليه، ويقال: مَّردتُ الغصنَ تمريدًا إذا جردته من ورقه.
8 - قوله: "سقى نجدًا" من سقي الماء.
9 - قوله: "النطاف" بكسر النون وبالطاء المهملة وفي آخره فاء، وهو جمع نُطْفة، وهو الماء الذي في إناء قل أو كثر، وأمَّا النطفة التي هي ماء الرجل فجمعها نطف 1.
10 - قوله: "حمدًا" أي محمودًا.
الإعراب:
قوله: "دعاني" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "من نجد": يتعلق به، وفيه حذف تقديره: دعاني من ذكر نجد، قوله: "فإن سنينه" الفاء فيه للتعليل، و "سنينه": اسم إن وقوله: "لعبن بنا" جمله في محل الرفع لأنها خبر إن، و "لعبن": فعل وفاعله النون، و "بنا" في محل النصب مفعوله.
قوله: "شيبًا" حال عن قوله: "بنا" أي حال كوننا في الشَّيب، قوله: "وشيبننا" جملة من الفعل والفاعل والمفعول عطف على قوله: "لعبن"، قوله: "مردًا" حال من ضمير المفعول في قوله: "شيبننا".
الاستشهاد فيه:
في إجراء السنين مجرى العين في الإعراب بالحركات، والتزام النون مع الإضافة، ولو لم يجعل الإعراب بالحركة على نون الجمع لحذفت النون وقال: فإن سنيه 2.
وأعلم أن هذه لغة بني عامر فإنهم يعربون المعتل اللام بالحركات في النون كما في غسلين.
ويقولون: هذه سنينٌ، ورأيت سنينًا، وأقمت بسنين، وعلى هذا ما جاء في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسفَ" 3، وتميم أيضًا يجعلون الإعراب في النون ولكن لا ينونونها فيقولون: سنونُ وسنينَ وسنيِن جره بالكسر، ولا تسقط النون ها هنا، ولو عند الإضافة؛ لأنها
نزلت منزلة نون مسكين (1).