الشاهد الثامن بعد المائة
1، 2
فإن الماءَ ماءُ أَبي وَجَدِّي... وبئْرِي ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ
أقول: قائله هو سنان بن الفحل أخو بني أم الكهف من طيئ 3، وهو من قصيدة، وأولها هو قوله:
1 - وَقَالُوا قَدْ جُنِتتَ فَقُلْتُ كَلَّا... وَرَبِي مَا جُينْتُ وَلا انْتَشَيتُ
2 - ولكني ظُلِمْتُ فَكِدْتُ أَبْكِي... مِنَ الظُلْمِ المبُيِن أَوْ بَكيتُ
3 - فإن الماء........................................ إلخ
4 - وقبلك رُبّ خَصْم قد تَمَالوْا... عَلَيَّ فَمَا هَلِعْتُ وَلا ذُعِرْتُ
5 - وَلَكني نَصَبْتُ لهم جَبِيني... وألّةَ فارسٍ حتى قَرَيتُ
وهي من الوافر، وفيه العصب بالمهملتين، والقطف.
1 - قوله: "قد جننت" على صيغة المجهول، من الجنون، وكان الواجب أن يقول 4: وقالوا: قد جننت أو سكرت، ولكنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر؛ لأن النفي الذي يتعقب الجواب ينظمهما 5، وذلك كما في قول الشاعر 6:
فَمَا أَدْرِي إذا يَممتَ أَرْضًا... أُرِيدَ الخيرَ أَيُّهُمَا يَليني
قوله: "كلا": للردع والزجر 7، والمعنى: ليس الأمر كذلك فارتدع، قوله: "ولا انتشيت" أي: ولا سكرت؛ من النَّشْوَةِ وهو السكر، ومنه يقال للسكران: نشوان.
2 - قوله: "ظلمت" على صيغة المجهول، وَذَكرَ البُكاء ليرى أنفته وإنكارهُ لما أريد ظلمه فيه.
3 - قوله: "وَبئْرِي ذُو حَفَرْتُ" أي: بئري التي حفرت والتي طويت، يقال: طويت البئر إذا بنيتها بالحجارة، وتسمى هذه "ذو" الطائية، فإن "طيئ" يقولون: هَذَا ذُو قَال ذَاكَ، ورأيت ذو قال ذاك، ومررت بذو قال ذاك، فتحتاج من الصلة ما يحتاج إليه الذي لكنها تقع في لغتهم للمذكر والمؤنث، ولهذا صلح أن يقول: بئري ذو حفرت، والبئر مؤنثة.
4 - قوله: "فما هلِعت" بكسر اللام؛ من الهلع بفتح اللام، وهو أفحش الجزع، فإن قلت: كيف قال: [فما هلعت] 1. وقد قال فيما قبلهُ: وكدت أبكي، وهل الهلع إلا البكاء الذي يظهر فيه الخضوع والانقياد؟
قلتُ: البكاء الذي ذكر أنه شارفه أو كاد أن يشارفه، فإنه إنما كان ذلك منه على طريق الاستنكاف.
فإذا كان كذلك فإنه لم يكن عن تخشع 2.
قوله: "ولا ذعرت" من الذعر، وهو الخوف.
والرواية الصحيحة: ولا دعوت أحدًا لنصرتي.
فإن قلتَ: فيه تناقض؛ لأنه قال أولًا: ولكني ظلمت... إلى آخره، وها هنا يقول: فما هلعت ولا ذعرت وبينهما تناقض.
قلتُ: لا تناقض؛ لأنه على اختلاف وقتين، وقصده من الكلام الأول بيان أنه ذل جانبه بعد أن كان عزيزًا، ونظيره أبيات فاطمة بنت الأحجم 3 حين ضعف جانبها لموت مَن كان ينصرها، وهي أبيات حسنة تمثلت بها سيدتنا فاطمة 4 - رضي اللَّه تعالى عنها - حين قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي 5:
1 - قَدْ كُنتَ لي جَبَلًا ألُوَذُ بظِلِّهِ... فَتَرَكتَتي أَمشِي بأَجْرَدَ ضَاحِي
2 - قَدْ كُنْتَ ذَات حَمِيَّة مَا عِشْتَ لي... أمْشِي البَرَارَ وكنتَ أَنْتَ جَنَاحِي
3 - فاليومَ أخضَعُ للذلِيلِ وأتقِي... مِنْه وَأَدْفَعُ ظَالِمي بالرَّاحِ
4 - وإذَا دَعَتْ قُمْيرية شَجَنًا لَهَا... لَيلًا عَلَى فَنَنٍ دَعَوْتُ صَبَاحِي
5 - قوله: "نصبت لهم جبيني" أراد خاصمتهم باللسان، ثم بلغنا إلى الرماح، وهو معنى قوله: "وألّة فارس" الألّة بفتح الهمزة وتشديد اللام؛ من ألّه يؤله ألًّا وألّةً إذا طعنه بالحربة، قال: فطاعنتهم فغلبتهم 1 "حتى قريت" الماء في الحوض؛ أي جمعته فيه، واسم ذلك الماء قِرَى بكسر القاف مقصور.
الإعراب:
قوله: "فإن الماء" الفاء فيه للتعليل، والماء: اسم إن، و "ماء أبي": كلام إضافي خبره، قوله: "وجدي" عطف على قوله: أبي، أي: وماء جدي، قوله: "وبئري" مبتدأ، وخبره قوله: "ذو حفرت" أي: التي حفرت، قوله: "حفرت" صلة الموصول، والعائد محذوف أي: [ذو] 2 حفرتها وطويتها.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ذو حفرت" فإنه أطلق "ذو" على المؤنث وهي البئر 3، وزعم ابن عصفور أن "ذو" خاصة بالمذكر، وأن "ذات" خاصة بالمؤنث، وأن البئر في البيت ذكرت على معنى القليب 4 كما قال الفارسي 5 [في قوله] 6:
1 - يَا بئرنا بِئْرَ بَنِي عَدِي... لأَنْزِحَنْ قَعْرَكِ بالدَلِيَ
2 - حَتَّى تَعُودِي أَقْطَع الوَلِيّ............................
التقدير: حتى تعودي قليبًا أقطع، فحذف الموصوف، وفرَّق ابن الضائغ 7 بينهما بأن أقطع صفة فيحمل على الفعل بخلاف "ذو" وقال: ألا ترى من قال: نفع الموعظة [لا يقول مشيرًا إليها: هذا الموعظة] 8، ولهذا قال الخليل في: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98]: إنه إشارة
إلى القطر لا إلى الرحمة (1).