المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثاني بعد المائتين

1، 2 فَكَيْفَ إِذَا مَرَرْتَ بِدَارِ قَوْمٍ... وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامٍ أقول: قائله هو الفرزدق همام بن غالب، وهو من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد اللك 3، وقيل: يمدح بها سليمان بن عبد اللك 4 ويهجو جريرًا، والأول أصح، وهي 5: 1 - هَلْ أَنْتُمُ عالِجُونَ بِنَا لَعَنَّا... نَرىَ العَرَصَاتِ أَوْ أَثَرَ الْخِيَامِ 2 - فَقَالُوا: إن فعلتَ فَأغْنِ عَنَّا... دُمُوعا غَيْرَ راقئِة السَّجَامِ 3 - فكيف إذا..................................... إلى آخره 4 - اُكَفْكِفُ دَمْعةَ الْعَينيِن مِنِّي... وما بَعْدَ المدَامعِ مِنْ مَلَامِ [وهو من الوافر] 6. ويروى أنه أنشد سليمان هذه القصيدة فلما بلغ إلى قوله: 1 - ثَلاثٌ واثْنَتَانِ فَهُنَّ خَمْسٌ... وسَادِسَةٌ تَمِيلُ إلى شَمَامِ =....................... على كان المسومة العراب شذوذًا" ارتشاف الضرب (2/ 96)، وشرح الجمل الكبير لابن عصفور (1/ 409)، والهمع (1/ 120).

2 - فَبتْنَ بِجَانِبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ... وبِتُّ أَفُضُّ أغلاق الخَيَامِ 3 - كَأَنَّ مَغَالِقَ الرُّمَّانِ فيهِ... وجَمْرَ غَضَي قَعَدْنَ عليه حَامِ فقال سليمان: قد أقررت عندي بالزِّنَا، وأنا إمام فلا بد من إقامة الحد عليك، فقال له الفرزدق: ومن أين أوجبته علي يا أمير المؤمنين؟ فقال: بقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، فقال له الفرزدق: كتاب الله يدرؤه عني بقول الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 224 - 226]، فأنا قلت ما لم أفعل، فتبسم سليمان وقال: أولى لك.
1 - قوله: "هل أنتم عالجون بنا" أي: داخلون في عالج، وهو اسم موضع 1، قولمه: "لعنا": لغة في لعلنا 2، و "العرصات": جمع عرصة الدار وهي وسطها.
2 - قوله: "غير راقئة السجام": من رقأ الدمع يرقأ رَقْأً ورُقوأً إذا سكن وكذلك وأرقأ الله دمعه: سكنه، والسجام: من سجم الدمع سجومًا وسجامًا وانسجم.
4 - قوله: "أُكَفْكِفُ": من كفكفت عن الأمر وكفكفته بمعنى واحد، و "الملام": اللوم.
الإعراب: قوله: "فكيف" ويروى: وكيف، وأنشده سيبويه: وكيف إذا رأيت ديار قوم 3، وكلمة "كيف" للاستفهام الغير حقيقي، وقد أخرج مخرج التعجب كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ﴾ [البقرة: 28] 4، وكلمة "إذا" للظرف، و "مررت": جملة من الفعل والفاعل، والباء: صلتها، "وقوم": مجرور بالإضافة، (وجيران) بالجر عطف على قوم، وقوله: "لنا": جار ومجرور في محل النصب؛ لأنه خبر لكان على تقدير أن لا تكون زائدة، ويقال: "كانوا"

تامة بمعنى وجدوا، و "لنا": في محل جر نعت للجيران، وقوله: "كرام": بالجر صفة للجيران.
الاستشهاد فيه: في قوله: "كانوا" فإنهم قالوا: إنها زائدة بين الصفة والموصوف، فإن قيل: ليست كان هاهنا زائدة لوجهين: أحدهما: أنها مسندة إلى الضمير الذي هو الواو، وذلك يدل على الاهتمام بها، وإلى هذا أشار الشيخ جمال الدين بن هشام بقوله: وليس من زيادتها قوله: فَكَيْفَ إِذَا مَرَرْتَ بِدَارِ قَوْمٍ... وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامٍ لرفعها الضمير خلافًا لسيبويه 1. الثاني: أن "الواو" اسمها، و "لنا": خبرها، والتقدير إذن: وجيران كرام كانوا لنا 2. قلت: أما الأول: فلا يمنع إسنادها زيادتها بدليل إلغاء ظننت مسندة ومتأخرة ومتوسطة، وقد قيل في قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة - رضي الله تعالى عنها - 3 "كنت لك كأبي زرع لأم زرع": إنّ كنت زائدة، والتقدير: أنا لك كأبي زرع.
والثاني: أن الأصل عدم جواز تقديم الخبر ومنع كون لنا خبرًا مقدمًا.
ثم اعلم أنهم اختلفوا في فاعل الزائدة: فقال السيرافي: فاعلها مصدر، أي: كان الكون 4. وقال أبو علي: الزائدة لا فاعل لها؛ فعلى هذا لا يكون "كانوا" ها هنا زائدة 5، ومن قال

بزيادتها قال: التقدير: وجيران لنا هم كرام، فهم: مضمر منفصل مؤكِّد للضمير المستكن في "لنا"، فلما زيدت "كان" وهي فعل وليها المنفصل فاتصل بها.
وقيل: إنما زيدت كان هاهنا مع إمكان جعل "لنا" خبرها، والواو اسمها،؛ لأن الجار والمجرور المتقدم، كما تطلبه كان أن يكون خبرها كذلك [يطلبه] (1) جيران أن يكون صفته، والتغليب لجانب المتقدم؛ ألا ترى أن (2) قولك: كان زيد قائمًا أبوه، بالنصب فيه على أنه خبر كان لتقدمها عليه أحسن من الرفع على أنه خبر الأب لتأخره عنه فكذا هذا.

جارٍ التحميل