الشاهد السابع والثمانون بعد الثلاثمائة
3، 4 فَإمّا تَرَينِي وَلِي لمَّةٌ... فَإِنَّ الحَوَادِثَ أَوْدَى بِها أقول: قائله هو الأعشى ميمون بن قيس، وهو من قصيدة طويلة يمدح بها رهط قيس بن معد يكرب الكندي، ويزيد بن عبد المدان بن الريان الحارثي، وأولها هو قوله 5: 1 - أَلم تَنْهَ نَفْسَكَ عَمَّا بِها... بَلى عَادَها بعضُ أَطْرَابها 2 - لِجَارَتِنَا إِذْ رَأَتْ لِمَّتِي... تقولُ لكَ الويلُ أَنَّى بها 3 - وإذْ لِمَّتِي كجنَاحِ الغدَا... فِ تَزنُو الكعَابُ لإعجَابِها 4 - فإما ترينِي..................................... إلى آخره 5 - فَإنْ تَعهدِي لامرئ لمّةً... فإنَّ الحَوَادِثَ تُعنَى بِها 6 6 - وَقَبلَكِ سَاعَيتُ فِي رَبْرَبٍ... إذَا أعتَمت بَعض أَتْرَابِها 7 7 - تُنَازِعُنِي إِذْ خَلَتْ بُردَها... مُفَضلَةً غَيرَ جِلْبَابِها وهي من المتقارب وفيه الحذف.12
1 - قوله: "عما بها" أي: عما بنفسك من الصبابة، و "الأطراب": جمع طرب، والضمير يرجع إلى النفس، وأراد بالجارة امرأته.
2 - قوله: "لك الويل" ويروى:
........................... لك الخير ما قلت أودى بها
أي: أصابك الخير، يريد: أي شيء قلت أودى باللمة؟ أي: صيرها إلى الصلع، و "الغداف" بضم الغين المعجمة؛ الغراب العظيم.
3 - قوله: "ترنو" أي: تديم النظر، و "الكعاب" بفتح الكاف وتخفيف العين المهملة؛ هو الكاعب وهي الجارية حين يبدو ثديها للنهود، وقد كعبت تكعب بالضم كعوبا، وكعّبت بالتشديد مثله.
4 - قوله: "لمة" بكسر اللام وتشديد الميم، وهي من شعر الرأس دون الجمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا زادت فهي الجمة.
قوله: "فإن الحوادث": جمع حادثة الدهر، ويقال: أراد بها الحدثان وهما الليل والنهار، قوله: "أودى بها" أي؛ أهلكها، يقال: أودى إذا هلك، ويتعدى بالباء.
6 - قوله: "ساعيت" أي: دانيت، و"الربرب": القطيع من بقر الوحش، قوله: "إذا أعتمت" أي: إذا أبطأت وذهبت بعض أترابها، وهو جمع ترب بكسر التاء وسكون الراء، يقال: هذه ترب هذه، أي: لدتها.
7 - و "الجلباب" مثل المقنعة يكون على الخمار.
الإعراب:
قوله: "فإما" أصله: فإن ما، وإن شرطية، وما زائدة، والمعنى: فإن تريني، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: 26]، وقد يشتبه هذا على كثير من المحصلين؛ حشا يظنونها إما التفصيلية ونحوها، ويؤيد ما ذكرنا رواية ابن كيسان:
فإن تعهدي لامرئ لمة......................................
فقوله: "إن": للشرط، و "تريني": فعل الشرط، وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وقوله: "فإن الحوادث": جواب الشرط، و "الحوادث": اسم إن، و "أودى بها": خبرها، قوله: "ولي لمة": جملة اسمية وقعت حالًا.
فإن قلتَ: أين المفعول الثاني لتريني؟
قلتُ: هي من رؤية البصر فلا تحتاج إلى مفعول ثان.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أودى بها" حيث لم يقل: أودت بها؛ لأن تأنيث [الحوادث] (1) مجازي؛ لأنه جمع، والجمع واسم الجمع واسم الجنس كلها تأنيث مجازي؛ لأنهن في معنى الجماعة، والجماعة مؤنث مجازي، ولأجل هذا جاز التأنيث في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: 9]، والتذكير -أيضًا- نحو: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: 66]، وقام الرجال، وأورقت الشجر، وأورق الشجر، وقال نسوة (2).
فإن قلتَ: ما له لم يقل: أودت بها؛ لأن الوزن لا يتغير؟
قلتُ: لأن القافية مؤسسة، والتأسيس هو الألف الواقع قبل حرف الروي بحرف متحرك كألف عالم، والروي حرف القافية، يقال: قصيدتان على روي، والقافية: هي اللفظ الأخير من البيت الذي يكمل البيت عند الأخفش، وعن قطرب هي الروي، وهو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة (3).