الشاهد الحادي والسبعون
2، 3
إذَا قَال قَدْنِي قَال بِاللَّه حَلْفَةً... لِتُغْنِيّ عَنَّي ذَا إِنَائِكَ أَجْمَعَا
أقول: قائله هو حريث بن عنّاب 4 بتشديد النون الطائي، وقبله:
دَفَعْتُ إليه رسْل كَوْمَاءَ جَلْدَةٍ... وَأَغْضَيْتُ عَنْهُ الطَّرْفَ حَتَّى تَضَلَّعا
وهما من الطويل.
قوله: "دفعت إليه" أي: إلى الضيف؛ لأنه يصف ضيفًا قدم له إناءً فيه لبن فشرب منه، ثم قال يكفيني فحلف عليه ليَشْرَبَنَّ جميعَه، وهو معنى الشطر الأول من البيت المستشهد به، قوله: "رسل كوماء" بكسر الراء وسكون السين المهملة؛ وهو اللبن، و "الكوماء": الناقة عظيمة السنام.
قوله: "جَلْدة" بفتح الجيم وسكون اللام؛ واحدة الجلاد وهي أدسم الإِبل لبنًا، قوله: "وأغضيت عنه الطرف" أي: غمضت عنه عيني حتى تضلع، أي: امتلأ شِبغًا، وريًّا، والألف فيه للإطلاق.
قوله: "إذا قال قدني" أي إذا قال الضيف قدني، أي يكفيني، قوله: "قال" أي المضيف ويروى قلت وهو الاُصح، قوله: "لتغني" أي لتبعد وأصله: لتغنين بالنون المشددة، ثم حذف النون فبقي لتغني، وقال بعض من تكلم في هذا البيت: لتغني عني؛ من قولهم: أغن عني وجهك، أي اجعله بحيث يكون غنيًّا عني، أي: لا يحتاج إلى رؤيتي.
قوله: "ذا إنائك" أضاف الإناء إلى الضيف، وإن كانت هي للمضيف لأدنى الملابسة؛ لأن الضيف ملابس له.
الإعراب:
قوله: "إذا": ظرف، و "قال": فعل وفاعله مستتر فيه، وهو الضمير الذي يعود إلى الضيف،1
قوله: "قدني": مقول (قال)، قوله: "قال" أي المضيف كما ذكرنا قبل هذه الرواية على ما رواها ابن الناظم 1، وجماعة آخرون 2 تدل على أن الشاعر لا ضيف ولا مضيف بل هو حاكٍ عنهما، وليس كذلك، وروى بعضهم: "إذا قلت قدني"فهذا يدل على أن الشاعر هو الضيف 3 وليس كذلك، فالصحيح: إذا قال قدني قلت باللَّه حلفة، على ما رواه الزمخشري وغيره 4. قوله: "حلفة" مفعول مطلق؛ لأن التقدير في قوله: "باللَّه حلفة"، أي: أحلف باللَّه حلفة، قوله: "لتغني" بكسر اللام لأجل التعليل وبياء مفتوحة للناصب المضمر، وهو رواية أبي الحسن 5 الأخفش، واستدل بها على جواز إجابة القسم بلام كي 6، والجماعة يمنعون ذلك؛ لأن الجواب لا يكون إلا جملة، ولام كي وما بعدها جار ومجرور 7. والبيت محمول على حذف الجواب وبقاء معموله، أي: لتَشْرَبن لتغني عني، ويروى: لَتغنِينَّ بلام مفتوحة للتوكيد، ونون مكسورة وهي عين الفعل، بعدها نون مشددة مفتوحة للتأ كيد، وهي رواية ثعلب 8 وهي دليل على أن الياء التي هي لام الفعل المؤكد بالنون قد تحذف وتبقى الكسرة دليلًا عليها، وهي لغة فزارة يقولون: ارمن يا زيد، وابكن يا عمرو 9، قال الشاعر 10: وابْكِنّ عَيْشًا تَقضَّى بَعْد جِدَّتِهِ... طَابَتْ أَوَائِلُهُ في ذلِك البَلَدِ ولغة الأكثرين: ارمين وابكين، ولتغنين بإثبات الياء مفتوحة 11، قوله: "ذا إنائك": مفعول لقوله: لتغني، قوله: "أجمعًا" تأكيد للمفعول، فأكد به وإن لم يسبقه كل 12.
الاستشهاد فيه: في قوله: "قدني" بإلحاق النون (1)، وأنشده الزمخشري استشتهادًا على أنه أضاف الإناء إلى الخاطب في قوله: "ذا إنائك" لأدنى ملابسة بسبب شربه منه، وإن كان الإناء في الحقيقة لساقي اللبن وهو المضيف، وذلك كما يقول كلُّ من حامِلِي الخشبةَ للآخر: خذ طرفك (2).