الشاهد الثاني
9، 10 وَكَم عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القوافي... فَلَمَّا قَال قَافِيَةً هَجَانِي أقول: قائله هو معن بن أوس المزني 11 شاعر جاهلي مقل، قاله في ابن أخت له، وهو من12345678
قصيدة نونية، وقال الجاحظ 1: أولها قوله 2: 1 - فلا وَأبِي حبيبةَ ما نفاه... من أرْضِ بَني رَبيعَةَ من هوانِ 2 - وكان هو الغَنيَّ إلى غِنَاهُ... وكانَ من العَشِيرَةِ في مَكَانِ 3 - تَكَنَّفَهُ الوُشَاة فَأَزْعَجُوهُ... ودسوا من قضاعة غيرَ وَانِ 4 - فَلَولا أَن أُمَّ أَبيهِ أُمّي... وَأَن مَن قَد هَجاهُ فَقَد هَجاني 5 - إِذًا لأصابَهُ مِني هِجاءٌ... يُمِرُّ بِهِ الرَويُّ عَلى لِساني 6 - أَعَلِّمُهُ الرِمايَةَ كُل يَومٍ... فَلَمّا استدَّ ساعِدُهُ رَماني 7 - وكم علمته.................................. إلخ وقال ابن دريد 3: هي لمالك بن فهم الأزدي 4 وكان ابنه سَلِيمَة رماه بِسَهْم فقتله، ووزن سليمة على وزن صحيفة، ومالك هذا ابن فهم بن غنم تنخت عليه تنوخ ونزلوا الحيرة وتحالفوا هناك، فاجتمعت اليهم قبائل من العرب فوثب سليمة على أبيه فقتله فقال أبوه الأبيات المذكورة فتفرقت بنو مالك ولحقوا بعمان، وهي من الوافر، وهو أول الدائرة المسماة بالمؤتلف 5، وهي تشتمل على بحرين؛ هما الوافر والكامل، وأصل الوافر في الدائرة مُفَاعَلَتُن 6 ست مرات 7. والبيت المذكور قد دخله العصب بالمهملتين وهو: تسكين الخامس المتحرك ويبقى 8 = مات في المدينة سنة (64 هـ). انظر الأعلام (7/ 273).
مفاعلتن بسكون اللام فينقل إلى مفاعيلن 1، ودخله القطف أيضًا- بالقاف في أوله، وهو الحذف بعد العصب حتى يصير: مفاعل فيرد إلى فعولن 2 فتقول: (وكم علم) مفاعيلن معصوب (ته نظمل) مفاعيلن معصوب، (قوافي) فعولن مقطوف، (فلما قا) مفاعيلن معصوب (ل قافية) مفاعلتن سالم، (هجاني) فعولن مقطوف.
قوله: "فلما استد" بالسين المهملة من قولهم: سدد الرامي رميته، وأنشده الجوهري في فصْل سدد شاهدًا على ما ذكر 3؟ وكذا أنشده الزمخشري في أساس البلاغة، يُقال: استد ساعده وتسدد على الرمي: استقام، وسدد السهم نحوه وتسدد السهم نفسه 4، وقال ابن دريد في كتاب الاشتقاق: يروى بالشين المعجمة من الاشتداد وهو القوة، وهذا يرد قول من يدّعي من المتأخرين أن من رواه بالمعجمة فقد صحف.
قوله: "علمته" الضمير فيه يرجع إلى المذكور في الأبيات السابقة وهو ابن أخت الشاعر.
قوله: "القوافي "جمع قافية وهي اللفظ الأخير من البيت الذي يكمل البيت هذا عن الأخفش 5، وقال قطرب 6: القافية هي الروي 7، وهو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة، وقال ابن كيسان 8: هي ما لزم إعادته في آخر الأبيات من الحروف والحركات، وقال الخليل 9: هي ما تحرك 10 من آخر البيت مع الساكنين التاليين له أحدهما ملاصق للمتحرك الأخير 11 وقد يسمى النصف الأخير من البيت قافية تجوزًا، وأراد بها الشاعر القصيدة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
7 - قوله: "هجاني" من الهجو وهو خلاف المدح في اللغة، تقول: هجوته هجوًا وهجاء وتهجاء، وفي الاصطلاح: الهجو إظهار ما في الشخص من المعايب والمثالب والحط عليه بما ليس
فيه من النقائص وهذان البيتان مثل يضرب لمن يسيء إليك وقد أحسنت إليه، وأنشد الميداني 1 في أمثاله 2:
فيا عَجَبًا لمن ربّيتُ طفْلًا... ألقِّمُهُ بأطرافي البَنَانِ
أعلمهُ الرمايِةَ كل يومٍ... فلما استدّ ساعدُه رَمَاني
أعلِّمهُ الروايةَ كل وقتٍ... فلما قال قافيةً هَجَاني 3
أعلِّمهُ الفُتُوّة كلَّ يومٍ... فلمّا طرَّ شاربُه جَفَاني 4
الإعراب:
قوله: "وكم علمته" الواو للعطف على ما قبله، وكم خبرية، والمميز محذوف تقديره: وكم تعليم علمته، أو كم مرةٍ علمته، ولا خلاف في حذف المميز جوازًا 5، فإن قلت: ما محل "كم"؟ قلت: إن قدرته تعليمًا فكم مفعول مطلق، وإن قدرته وقتًا فهي ظرف.
قوله: "نظم القوافي "كلام إضافي، مفعول ثان لعلمته؛ لأن علم منقول بالتضعيف عن عَلِم بمعنى عَرَف، وفَعَّل يتعدى بالتضعيف إلى اثنين دون التاء؛ كعلَّمتُه الخير وجنَّبته الشر، وبالتاء إلى واحد كتعلَّم الخير وتجنب الشر.
قوله: "فلما" بمعنى حين، وجوابه قوله: "هجاني و"قافية" نصب على أنه مَفْعُول قال، فإن قلت: القول يستدعي أن يكون مقوله جملة، وليس كذلك ها هنا، قلت: إذا كان القول بمعنى الحكاية يقع مقوله مفردًا؛ كما في قولك: قلت شعرًا بمعنى حكيته 6.
واعلم أن القول يتعدى بخمسة أحرف: بالباء نحو: قال به بمعنى: حكم به، وباللام نحو: قال له: خاطبه، وبعن نحو: قال عنه، أي روى عنه، وبفي نحو: قال فيه، أي اجتهد فيه، ويستعمل مجردًا بمعنى: افترى، فإن قلتَ: ما الفاء في قوله: فلما قال: قلت: للتعقيب مع مراعاة معنى السببية على ما لا يخفى.
الاستشهاد فيه:
في كونه أطلق القافية التي هي جزء القصيدة على القصيدة، من باب إطلاق اسم الجزء على الكل، أو تسمية الشيء باسم بعض؛ لأن حقيقة القافية ما ذكرناها.