الشاهد الحادي والعشرون بعد المائة
5، 6 فَتِلْكَ خُطُوبٌ قد تَمَلّتْ شَبَابَنَا... قَدِيمًا فتُبلِينَا المنُونُ وما تُبْلَى وتبلَى الألى يَسْتَلْئِمُونَ على الأُلَى... تَرَاهُنَ يَوْمَ الرّوْعِ كالحِدَأ القُبْل أقول: قائله هو أبو ذؤيب الهذلي، واسمه خويلد بن خالد، وقد ترجمناه فيما مضى 7،1234
وهذان البيتان من قصيدة لامية، أولها هو قوله:
1 - ألا زعَمَتْ أسْمَاءُ أن لا أُحِبُّها... فقلتُ بلى لولا يُنَازِعُنِي شُغلي
2 - جزيتك ضِعْفَ الوُدّ لما اشتكيته... وما إن جَزَاك الضِّعْفَ من أحدٍ قبلي
3 - لعمرك ما عَيسَاءُ تَتبَعُ شادِنًا... يَعَنُّ لَهَا بالجَزْع من نَخِب النَّجْلِ
4 - إذا هي قامت تَقْشَعِر شَوَاتها... ويشرق بين الليتِ منها إلى الصقْلِ
5 - ترى حَمْشًا في صدوها ثم إنها... إذا أدبَرَتْ وَلّتْ بِمُكْتَنَزٍ عَبْلِ
6 - وما أم خشف بالعَلايَة تَرْبحِي... وترْمُقُ أحيَانَا مُخْاتِلَةَ الحَبلِ
7 - فإن تَزْعُمِيني كنت أجْهَلُ فِيكُمُ... فإني شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ
8 - وقال صَحَابِي قد غُبِنتَ وخِلتَنِي... غَبِتتَ فلا أَدْري أَشَكْلُهُمُ شكلي
9 - فإن تك أنثى في معدٍ كريمةُ... علينا فقد أُعطيت نَافِلَةَ الفَضْلِ
10 - على أنَّهَا قَالت رأيتُ خُوَيلِدًا... تَنَكَّرَ حتى عَادَ أَسْوَدَ كالجِذْل
11 - فتلكَ خُطُوبٌ......................................... إلخ
وجملتها ثلاثون بيتًا، وهي من الطويل.
1 - قوله: "ينازعني": مبتدأ بتقدير أن، و "لولا": كلمتان؛ يعني: لو لم، وجواب لولا أو جواب لو محذوف.
3 - قوله: "عيساء": واحدة العيس، وهي إبل بيض في بياضها ظلمة خفية 1، و "الشادن": ولد الظبية، قوله: "يعن"؛ أي: يعرض لها بالجِزْع؛ بكسر الجيم وسكون الزاي المعجمة، وهو منعطف الوادي، قوله: "من نخب" بفتح النون وكسر الخاء المعجمة وفي آخره باء موحدة؛ وهو وادٍ بالطائف، و "النَّجْل" بفتح النون وسكون الجيم؛ وهو الماء يظهر من الأرض.
4 - وقوله: "شواتها" الشواة بضم 2 المعجمة: جلدة الرأس، أراد يقشعر الشعر الذي في الرأس، قوله: "ويشرق" أي: يضيء، و"اللِّيت" بكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره تاء مثناة من فوق؛ وهي صفحة العنق، و "الصقل": الخاصرة.
5 - قوله: "حمشًا " بفتح الحاء المهملة؛ أي: دقة، و "عبل" أي: ضخم.
6 - وأراد بـ"أم خشف" الظبية، و "العلاية" أرض، و "مخاتلة" أي: مخادعة، وأراد "الحبل" حبل الصائد.
7 - قوله: "شريت" بمعنى: اشتريت، ويأتي بمعنى بعت، والمعنى ها هنا: بعا الجهل بالحلم.
8 - قوله: "وقال صحابي قد غبنت"، لأنه باع الجهل بالحلم، فقال: بل أنا الغابن، ولا أدري أهم [على] 1 ما أنا عليه أم لا؛ والمعنى: طريقهم طريقي أم غيرها فحذف أم ومعطوفها، كقوله 2:
........................... فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلابُهَا
أي: أم غي.
10 - قوله: "رأيت خويلدًا" المراد 3 به نفسه، وهو أبو ذؤيب خويلد بن خالد، قوله: "تنكر" أي تغير، و "الجذل" بكسر الجيم وسكون الذال العجمة، أصل الشجر، وقال الأخفش: العود اليابس 4.
11 - قوله: "خطوب" جمع خطب، وهو الأمر العظيم، قوله: "تملت شبابنا" أي: استمتعت بشبابنا، يقال: تمليتُ عمري، أي: استمتعت به، ويقال: تمليت حبيبًا، أي: عضت معه ملاوة من الدهر بتثليث الميم، أي: حينًا وبرهة، وكذلك: الملوة بتثليث الميم، قوله: "فتبلينا" أي: تفنينا، من الإبلاء، وثلاثيه: بلى يبلى بلاءً 5، قوله: "المنون" أي: المنية، قال الفراء: المنون مؤنثة وتكون واحدة وجمغا 6، ويقال: المنون: الدهر، لأنه يمن قوى الإنسان، أي: ينقصها، وكون بمعنى الموت لأنه يقطع الحياة من قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ 7 [التين: 6].
12 - قوله: "يستلئمون" من استلأم الرجل، إذا لبس اللأمة وهي الدرع، قوله: "يوم الروع" بفتح الراء، أي: يوم الحرب، لأنه يوم فيه الروع والفزع، قوله: "كالحدأ" بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين وفي آخره همزة، وهو جمع حدأة، وهي الطائر المعروف، كعنب جمع عنبة.
قوله: "القبل" بضم القاف وسكون الباء الموحدة، وهي التي في عينها قَبَل بفتحتين وهو الحول 1، وفي كتاب خلق الإنسان: قال الأصمعي 2: وفي العين الحَوَل والقَبَل، يقال: حَولَتْ عينُه تَحْوِلُ حَوَلًا، وَاحْوَلَّتِ احْولالًا، وقَبِلَتْ تَقبَلُ قبَلًا واقْبَلَّت اقْبِلالًا، فالحَوَل كأنها تنظر إلى الحجاج، بكسر الحاء وفتحها، العظم الذي ينبت عليه الحاجب، والقبل: أن تكون كأنها إلى عرض الأنف 3، وقال ابن الأعرابي: الحول أن تُميل الحدقة إلى اللحاظ، والقبل: أن تميل إلى المؤق.
والمعنى: أن حوادث الدهر والزمان قد تمتعت بشبابنا قديمًا فتبلينا النون أي الموت ونحن ما نبليه، "وتبلى الألى" أي: الذين يستلئمون لَأْمة الحرب، "على الألى"، أي: على اللالي، أي: على الخيول اللالي تراهن في يوم الحرب والفزع، كأنها حدأ لخفتها في الجري والسير وشدة العدو التي في أعينها حول، يعني: انقلاب من شدة طيرانها، وقد شبه الخيول التي تجري يوم الحرب وأعينهن منقلبة من شدة العدو بالحدأ، التي تشتد في الطران وأعينهن منقلبة من شدة الطيران.
الإعراب:
قوله: "فتلك خطوب" جملة اسمية من المبتدأ والخبر، عطف على ما قبلها من الجمل السابقة.
قوله: "تملت شبابنا" جملة فعلية من الفعل والفاعل والمفعول وهو شبابنا، في محل الرفع على أنها صفة للخطوب، قوله: "قديمًا" نصب على الظرف؛ أي: في قديم الزمان، قوله: "فتبلينا" فعل ومفعول، و"المنون" فاعله وهذه الجملة كالتفسير لقوله: "قد تملت شبابنا"، فلذلك ذكرها بالفاء.
قوله: "وما نبلى": جملة منفية مركبة من الفعل والفاعل، والمفعول محذوف تقديره: وما نبليها أي: ونحن لا نقدر على إبلاء النون كإبلائها إيانا، ويجوز أن تكون هذه الجملة حالًا.
قوله: "وتبلى" بضم التاء؛ من الإبلاء، وفاعله مستتر فيه وهو المنون، قوله: "الألى يستلئمون" مفعوله، والألى 4: موصول، ويستلئمون: صلته، أي: تبلي الذين يستلئمون اللَّأمة، قوله: "على الألى" جملة حالية أي: حال كونهم على الخيول اللالي تراهن يوم الروع كالحدأ، قوله: "تراهن" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، صلة للموصول 5 وهو قوله: "على الألى".
قوله: "يوم الروع": نصب على الظرف، قوله: "كالحدأ": في محل نصب على أنه مفعول ثانٍ لتراهن، قوله: "القبل" بالجر؛ صفة للحدأ.
الاستشهاد في البيت الثاني، ولا استشهاد في البيت الأول؛ فذكرهم إياه للتعلق بينهما في المعنى، وهو أنه جمع بين اللغتين، وهما إطلاق الألى على الذين في قوله: "وتبلى الألى يستلئمون"، وإطلاق الألى أيضًا على اللاتي في قوله: "على الألى تراهن" فافهم (1).