المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد التاسع والثمانون بعد الخمسمائة

الشاهد التاسع والثمانون بعد الخمسمائة

2, 3 مَا زَال مُذْ عَقَدَت يَدَاهُ إزَارَهُ... فَسَمَا فأَدْرَكَ خَمْسَةَ الأَشْبَار يُدْنِي كَتَائبَ مِنْ كتَائِبَ تَلْتَقِي... في ظلٍّ مُعْتَرِكِ العَجَاجِ مُثَارِ أقول: قائله هو الفرزدق مدح به يزيد بن المهلب، وهو من قصيدة طويلة من الكامل، وقبل قوله: "ما زال": 1 - وَإذَا الرِّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتَهُم... خُضُعَ الرِّقَابِ نَواكِسَ الأَبْصَارِ وبعدهما هو قوله: 4 - ولقدْ وَطِئتْ يزيد كلَّ مدينةٍ... بينَ الدُّرُوبِ وبينَ بَحْرِ وَبَارِ 5 - شُعْثًا مُسَومَةً على أكْنافِهَا... أُسدٌ هَوَاصِرُ بالكماة ضَوَارِي 1 - قوله: "خضع الرقاب" بضم الخاء والضاد المعجمتين؛ جمع خضوع؛ أي: خاضع، و"النواكس": جمع ناكس، وهو المطأطئ رأسه، وهو جمع شاذ؛ كما يقال فوارس في جمع فارس.
2 - قوله: "فسما" أي: علا وارتفع، [قوله: "] 4 وأدرك خمسة الأشبار] معناه: أيفع ولحق حد الصبي؛ لأن الفلاسفة زعموا أن المولود إذا ولد لتمام مدة العمل ولم تعتره آفة في الرحم، فإنه يكون في قده ثمانية أشبار [من شبر نفسه، وتكون سرته بمنزلة المركز له؛ فيكون1

منها إلى نهاية شقه الأعلى أربعة أشبار] 1 بشبره، ومنها إلى نهاية شقه الأسفل أربعة أشبار، ومنها إلى أطراف أصابعه من يديه جميعًا أربعة أشبار، حتى إنه لو رقد على صلبه وفتح ذراعيه ووُضع ضابط في سرته وأدير لكان شبه الدائرة.
قالوا: فما زاد على هذا أو نقص فلآفة عرضت له في الرحم، فإنك تجد من نصفه الأعلى أطول من نصفه الأسفل، ومن نصفه الأسفل أطول من نصفه الأعلى، ومن يده الواحدة أقصر من الأخرى، فإذا تجاوز الصبي أربعة أشبار فقد أخذ في الترقي إلى غاية الكمال.
ويقال: عنى بخمسة الأشبار السيف؛ لأنه الأغلب في السيوف الموصوفة بالكمال.
ويقال: هي عبارة عن خلال المجد على أحسن مذاهب أهل الحد، وهي: العقل والعفة والعدل والشجاعة والشعر، وقيل: بل الوفاء مكان الشعر.
وقال غالب شراح كتب النحو: إن معناه لم يزل منذ نشأ مَهِيبًا فائزًا بالمعالي حتى مات فأقبر في لحد هو خمسة أشبار، وهذا كما ترى بعيد لا يساعده التركيب، ولا هو قريب منه على ما لا يخفى.
3 - قوله: "كتائب": جمع كتيبة وهو الجيش، ويروى: "يدني خوافق": من خوافق وهي جمع خافقة، وهي الراية، قوله: "معترك العجاج": موضع الحرب، والعجاج: الغبار، قوله: "مثار" بضم الميم وبالثاء المثلثة؛ من أثار يثير، يقال: أثار الغبار يثور ثورًا وثورانا إذا سطع وأثاره غيره.
الإعراب: قوله: "ما زال" من الأفعال الناقصة، واسمه مستتر فيه، وخبره قوله: "يدني" في البيت الثاني، فلذلك ذكر ابن الناظم البيت الثاني مع أنه لا استشهاد فيه لتعلقه بالأول في المعنى 2. قوله: "مذ عقدت" مذ ها هنا ظرف مضاف إلى الجملة الفعلية، ودخوله على الجملة الفعلية أكثر من الاسمية، و"يداه": فاعل عقدت، و" إزاره": مفعوله، قوله: "فسمَا": عطف على عقدت.
وقوله: "فأدرك": عطف على فسمَا، وقوله: "خمسة الأشبار" كلام إضافي مفعول أدرك، قوله: "يدني": خبر ما زال، وهو جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الراجع إلى الممدوح.
وقوله: "كتائب": مفعوله، وكلمة: "من": تتعلق بيدني، و"تلتقي": جملة من الفعل

والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الراجع إلى كتائب الثاني، والمفعول محذوف تقديره من كتائب تلتقي الأعداء.
وقوله: "في ظل": يتعلق بتلتقي، وأراد بظل المعترك ظل الغبار الساتر من اعتراك الرجال في المعترك، فإن الغبار إذا اشتد يطبق ما بين السماء والأرض فلا يرى لا شمس ولا ضوء فيصير كالظل الكثيف، وهذا لا يكون هكذا إلا من غاية اشتداد الحرب؛ حيث يرتفع الغبار من سنابك الخيول فيملأ مكانها، وقوله: "مثار": صفة للعجاج، ولكن بتقدير زيادة الألف واللام.
الاستشهاد فيه: في قوله: " [مذ عقدت" حيث أضيف فيه مذ إلى الجملة الفعلية (1)، وفيه شاهد آخر وهو قوله: "] (2) خمسة الأشبار" حيث جرد الفرزدق المضاف من حرف التعريف، فإنه لا يستعمله هكذا إلا الفصحاء.
وهو حجة على الكوفيين في جوازهم الجمع بين تعريف المضاف باللام والإضافة إلى المعرفة كما قيل: الثلاثة الأثواب، وهو منقول عن عرب غير فصحاء، فإن المسموع تجريد الأول من التعريف؛ كما في قول الفرزدق، وكما في قول ذي الرمة (3): وَهَلْ يَرجِعُ التسلِيمَ أَوْ يَكْشِفُ العَمَى... ثَلاثُ الأثَافي وَالديَارُ البَلاقِعُ (4) "العمى": الإلباس، و"البلاقع" الأرض الخالية، و"الأثافي ": جمع أثفية وهي حجارة تنصب عليها القدر.

جارٍ التحميل