المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثامن والثمانون بعد المائة

1، 2 فَمَا مثْلُهُ فِيهم وَلَا كَانَ قَبلَهُ... وَلَيسَ يَكُونُ الدَّهْرَ مَا دَام يَذْبُلُ أقول: قائله هو حسان بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -، وهو من قصيدة يمدح بها حسان الزبير بن العوام -رضي الله تعالى عنه- وأولها قوله: 1 - أقَامَ عَلَى عَهْدِ النبِي وهديه... حَوَاريهُ وَالْقَوْلُ بالفعل يعدَلُ 2 - أقَامَ عَلَى مِنهاجه وَطَرِيقه... يُوَالي ولي الحَقِّ والحق أَعدَلُ 3 - هُوَ الفَارسُ المشهُورُ والبَطَلُ الذي... يَصُولُ إذا مَا كَانَ يَوْم محجّل 4 - وإنّ امرأً كَانتْ صَفيةُ أُمُّهُ... ومِنْ أَسدٍ فيِ بَيتها لَمرُفّلُ 5 - لهُ منْ رَسُولي الله قُربَى قَريبةٍ... ومنْ نُصرَة الإسْلامِ مَجد مُؤَثَّلُ 6 - فَكم كُرْبَة ذَبَّ الزّبَيرُ بِسَيفه... عَنِ المُصطَفَى واللهُ يعطي وَيَجْزلُ 7 - إذَا كَشَفَتْ عَنْ سَاقِها الحَربُ حشَّها... بأبْيَضَ سبَّاق إلَى المَوْتِ يُرقلُ 8 - فما مثله................................................. إلى آخره وهي من الطويل.
1 - قوله: "حواريه" أي: حواري النبي - صلى الله عليه وسلم - وأراد به: الزبير بن العوام [- رضي الله عنه -؛ فإن

النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن لكل نبي حواري وحواريَّ الزبير بن العوام"] 1، رويناه عن طريق الترمذي عن زرعة 2 عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. وفي رواية: "الزبير ابن عمتي وحواريي من أمتي"؛ أي: خاصتي من أصحابي وناصري، ومنه الحواريون أصحاب المسيح - عليه السلام - أي: خلصاؤه وأنصاره، وأصله من التحوير وهو التبييض، قيل: إنهم كانوا قصَّارِينَ يحوّرون الثياب؛ أي: يبيضونها، ومنه: الخبَزُ الحواريّ: الذي نُخِل مرة بعد مرة، قال الأزهري: الحواريون خلصان الأنبياء - عليه السلام -، وتأويله: الذين أَخْلَصُوا وَنُقُّوا من كل عيب.
قوله: "والبطل": الشجاع "الذي يصول" أي: يحمل، قوله: "يوم محجل" أراد به: يوم الحرب المشهور بين الناس، وارتفاع "يوم" على أنه فاعل كان، وهي تامة.
4 - قوله: "صفية أمه" هي صفية بنت عبد المطلب 3 عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قوله: "لمرفل" بالفاء أي: لمعظم، من الترفيل وهو التعظيم.
5 - قوله: "مجد مؤثل" المجد: الكرم، ومؤثل: من التأثيل وهو التأصيل.
6 - قوله: "يُجْزِل": من أجزل إذا أعطى عطاء كثيرًا، قوله: "حَشَّها": من حش الحرب إذا أسعرها وهيجها تشبيهًا بإِسْعَارِ النار، ومنه يقال للرجل الشجاع نِعْمَ مُحُشي الكتيبة، قوله: "بأبيض" أي: بسيف أبيض.
7 - قوله: "يرقِلُ" من الإرقَال، وهو نوع من الخبب، أراد أنه يسبق الناس إلى الحرب وهو يجري.
قوله: "فما مثله فيهم" أي: فمَا مثل الزبير فيهم أي بينهم، ولا كان مثله، قبله؛ أي وليس يكون مثله -أيضًا- في المستقبل طول الدهر، و " [ما دام] 4 يذبل" بفتح الياء آخر الحروف وسكون الذال المعجمة وضم الباء الموحدة وفي آخره لام؛ وهو اسم لجبل معروف، قال يعقوب: يقال له: يذبل الجوع؛ لأنه مُجدَبٌ دائمًا 5. الإعراب: قوله: "فما" ما للنفي بمعنى ليس، و"مثله" بالرفع اسمه، وخبره قوله: "فيهم" أي: ليس

مثله كائنًا فيهم، قوله: "ولا كان قبله": جملة منفية عطف على الجملة المنفية التي قبلها، وكان هنا تامة بمعنى وجد 1، أي: ولا وجد مثله قبله، وقبله نصب على الظرف.
قوله: "وليس يكون": جملة منفية أيضًا عطف على ما قبلها، واسم ليس ضمير الشأن، قوله: "يكون": خبره وهي تامة بمعنى يوجد، و "الدهر"؛ منصوب على الظرفية، والتقدير: ليس الشأن يوجد مثله في الدهر، قوله: إما دام يذبل " يعني مدة دوام يذبل، ويذبل مرفوع لأنه فاعل دام.
الاستشهاد فيه: على أن ليس نفت المستقبل، وإنما وضعها لنفي الحال، ولكن تنفي المستقبل أيضًا عند قيام القرينة كما في البيت المذكور، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: 8]، ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ (6)﴾ [الغاشية: 6]، وهذا الباب فيه اختلاف: فقال الجزولي 2: هي للنفي مطلقًا 3، وقال الجمهور: هي لنفي الحال 4، وقال الزمخشري في المفصل: فلا تقول: ليس زيد قائمًا غدًا 5. وقال الشلويين 6، وتبعه الناظم وابنه 7 -وهو الصواب: إذا لم يكن للخبر زمن مخصوص تُقيدُ نفيها بالحال كما يحمل عليه الإيجاب المطلق وإن كان له زمن مخصوص تفيد نفيها به، فمما نفت به الماضي قولهم: ليس خلق اللَّه مثله 8، وعلى ذلك أجاز سيبويه: ما زيد ضربته بالرفع؛ على أن تكون ما حجازية، ولو لم يصح لليس نفي الماضي لم يجز ذلك في ما المحمولة

عليها، ومما نفت به المستقبل الآيتان المذكورتان والبيت المذكور (1).

جارٍ التحميل