الشاهد الحادي والأربعون بعد المائتين
1، 2 طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ... فَأَجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاءِ أقول: قائله هو أبو زبيد الطائي، واسمه المنذر بن حرملة بن معد يكرب بن حنظلة بن النعمان بن شعبة بن الحرث بن؛ ربيعة بن مالك بن عمرو بن الغوث بن طيئ، وكان نصرانيًّا وعلى دينه مات وقد أدرك الإسلام، وكان من زوار الملوك وخاصة ملوك العجم، وكان عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - يقربه ويدني مجلسه: والبيت المذكور من قصيدة من بحر الخفيف الخبون، وأولها هو قوله 3: 1 - خَبَّرتْنَا الركْبانُ أَنْ قَدْ فَرحتُمْ... وفخرتُمْ بضَرْبَةِ المُكَّاءِ 2 - وَلَعْمرِي لَعارُها كَانَ أَدْنَى.. لَكُمُ من تُقىً وحُسْنِ وَفَاءِ 3 - ظَلُّ ضَيْفًا أَخُوكم لِأخِينَا... في صَبُوحٍ ونَعْمَةٍ وشِوَاءِ 4 - لَمْ يَهَبْ حُرْمَةَ النَّديمِ ولكِنْ... يَا لَقَومْي للسوْأةِ السَّوْآءِ 5 - فاصْدُقُونِي وقد خَبَرتُمْ وقَدْ ثَابَتْ... إليكُمْ جَوائِبُ الأنْبَاءِ 6 - هل علمتُمْ مِنْ مَعْشَرِ سَافَهُونَا... ثُمَّ عَاشُوا صَفْحًا ذَوي غُلَوَاء 7 - كم أزالت رماحُنا من قتيل... قاتلونا بنكبة وشقاءِ 8 - بَعَثُوا حَرْبَنَا عَليهِمْ وكَانُوا... في مَقَامِ لَوْ أبَصَرُوا ورَخَاءِ 9 - ثُمَّ لَمَّا تَشَذَّرَتْ وأنَافَتْ... وتصَلَّوْا منها كَرِيهَ الصَّلاءِ 10 - طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ... فَأَجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاءِ 11 - وَلَعْمرِي لَقَدْ لَقُوا أَهْلَ بَأْسٍ... يَصْدُقُونَ الطِّعَان عِنْدَ اللِّقَاءِ 12 - ولَقَدْ قَاتُلوا فما جَبُنَ القومُ... عن الأمّهَاتِ والأبْنَاءِ
13 - وَحَمْلنَاهُمْ عَلَى صَعْبة زو... رَاء يَعْلُونها بغَير وطاءِ
14 - أبديء أَن تقتلُوا إذ قَتَلْتُمْ... أَمْ لَكُمْ بَسطةً على الأكْفَاءِ
15 - أَمْ طمعتُمْ بَأَنْ تُريقُوا دِمَانا... ثُم أَنَتمْ بنجوةٍ في السَّماءِ
16 - فَلحَا اللهُ طالبَ الصُّلح منا... ما أطاف المبسّ بالدَّهْناءِ
17 - إنَّنا مَعْشَرٌ شَمائِلُنا الصَّبْرُ... ودَفْعُ الأَذَى بحسْنِ العَزَاءِ
18 - وَلنَا فَوْقَ كُل مَجْدٍ لِوَاءٌ... فَاضِلٌ في التَّمامِ كُلَّ لِوَاءِ
19 - فإذا ما استطعْتُمُ فاقْتُلُونا... من يُصَبْ يُرتَهَنْ بغيرِ فِدَاءِ
قال أبو عمرو الشيباني وابن الأعرابي: نزل رجل شيباني برجل طائي فأضافه وسقاه فلما سكر وثب إليه بالسيف فقتله وخرج هاربًا وافتخر بنو شيبان بذلك، فقال أبو زبيد في ذلك هذه القصيدة 1.
1 - قوله: "الركبان" بضم الراء؛ جمع ركب، والركب أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها ويجمع على أركب أيضًا، قوله: "بضربة المُكاء" بضم الميم وتشديد الكاف؛ وهو اسم الرجل الشيباني الَّذي قتل الطائي.
2 - قوله: "لعارُهَا" أي: لعار ضربة المكاء.
5 - قوله: "جوائب الأنباء" الجوائب جمع جائبة، يقال: هل عندكم من جائبة خبر؟ وهو ما يجوب البلاد، أي: يقطعها، و"الأنباء": جمع نبأ وهو الخبر.
6 - قوله: "ذوي غلواء" بضم الغين المعجمة، وهو بمعنى: الغلو، وبمعنى سرعة الشباب وأوله وهو المراد هاهنا.
9 - قوله: "ثم لما تشذرت" أي: لما رفعت الحرب ذَنَبها، و"التشذر": الاستثفَار بالثوب أو بالذنب، قوله: "وأنافت" أي: رفعت رأسها، قوله: "وتصلوا": من تصليت بالنار إذا اصطليت بها، وأراد: نار الحرب، والصِّلاء -بكسر الصاد بالمد: صلاء النار.
10 - قوله: "طلبوا صلحنا" أي: طلب هؤلاء القوم صلحنا، والحال أن الأَوَانَ ليس أوانَ صلح، فقلنا لهم: ليس الحين حين بقاء الصلح.
13 - قوله: "على صعبة زوراء" أي: على خيول صعبة شديدة، الزوراء: البعيدة الجري.
14 - قوله: "أبديء" الهمزة للاستفهام، والبديء على وزن فعيل وهو الأمر البديع.
15 - قوله: "بنجوة" النجوة والنجاة: المكان المرتفع الَّذي تظن أنَّه نجاؤك، لا يعلوه السير.
16 - قوله: "فلحا الله" أي: قبح الله طالب الصلح منا.
قوله: "المبسّ": من أَبْسَسْتُ الإبل إذا زجرتها وقلت بس بس وكذلك: بسست، قال أبو عبيد: بسست الإبل وأبسستها لغتان 1، و"الدهناء": موضع ببلاد بني تميم يمد ويقصر وهاهنا بالمد 2.
الإعراب:
قوله: "طلبوا"؛ فعل وفاعله واو الجماعة وهو ضمير بارز 3، و"صلحنا": كلام إضافي مفعول، قوله: "ولات أوان": جملة حالية؛ أي: وليس الأوان أوان صلح، فحذف المضاف إليه ثم بَنَى أَوَانَ؛ كَمَا بُنَي قبلُ وبَعْدَ عند حذف المضاف إليه، ولكنه بُنِيَ على الكسر لشبهه بنَزَالِ في الوزن ثم [نُوِّنَ] 4 لأجل الضرورة.
وقال الفراء: لات تستعمل حرف جر أحيانًا وأنشد هذا البيت وحمله على ظاهره 5، وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلتَ فما وجه الكسر في أوان؟ قلتُ: شبه بإذ في قوله 6:
نهيتُك عَن طِلابكَ أَمِّ عَمْروٍ... بَعافَيةٍ وأنْتَ إذٍ صَحِيحُ
في أنَّه زمان قطع منه المضاف إليه وعوض التنوين؛ لأن الأصل: ولات أوان صلح 7.
[قوله] 8: "فأجبنا" الفاء للعطف، وفيه معنى التعقيب، وأجبنا: فعل وفاعل، قوله: "أن" تفسيرية، وليس للنفي، واسمه محذوف، قوله: "حين بقاء": خبره؛ أي: ليس الحين حين بقاء الصلح.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ولات أوان" حيث وقع خبره لفظة "أوان" كالحين؛ فافهم 9.