المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الحادي عشر بعد الأربعمائة

3، 4 يُغْضي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ... فَلَا يُكلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبتَسِمُ أقول: قائله هو الفرزدق همام بن غالب، وهو من قصيدة طويلة من البسيط يمدح بها الفرزدق زينَ العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنهم-، وأولها هو قوله 5: 1 - هَذَا الذِي تَعْرِفُ البطْحَاءُ وَطْأتهُ... والبَيتُ يَعْرِفُهُ والحِلُّ وَالحَرَمُ12

2 - هَذَا ابنُ خَيرِ عِبَاد الله كُلِّهُم... هَذَا التَّقيُّ النقي الطاهرُ العَلَمُ 3 - إِذَا رَأَتْهُ قُرَيشٌ قَال قَائِلُهَا... إلى مَكَارِم هَذَا ينْتهِي الكرَمُ 4 - يُنْمَى إِلَى ذُرْوَةِ الْعَزِّ التي قَصُرَت... عَنْ نَيلهَا عَرَبُ الإسَّلَامِ والعَجَمُ 1 5 - يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحِتهِ... رُكنُ الحَطيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَستَلمُ 6 - في كَفِّه خَيزُرَانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ... مِنْ أَرْوَعَ في عِرنيِنِهِ شَمَمُ 7 - يغضي حياء......................... إلى آخره 8 - يَنْشَقُّ نُورُ الهُدَى عَن نُورِ غُرَّتِهِ... كالشَّمس يَنْجَابُ عَنْ إشْرَاقهَا العَتَمُ 2 9 - مُشْتَقَّة منْ رسول الله نَبعَتُهُ... طابتْ عناصِرُهُ والخيمُ والشِّيَمُ 10 - هذا ابن فاطِمَة إنْ كنتَ جَاهلَهُ... بِجَدِّه أَنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتمُوا 11 - اللهُ شرَّفُهُ قِدْمًا وعظَّمَهُ... جَرَى بذاكَ له في لوْحَة القَلَمُ 12 - فَلَيْسَ قَوْلُكَ مَنْ هَذَا بِضائِره... العُرْبُ تَعْرفُ مَن أَنْكَرْتَ والعَجَمُ 13 - كِلْتَا يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا... يُسْتَوْكِفَانِ ولَا يُعْرُوهُمَا عَدَمُ 14 - سهْلُ الخلِيقَةِ لَا تخْشَى بَوَادرُهُ... يَزينُهُ اثنان حُسنُ الخلْقِ والشِّيَمُ 15 - حَمَّالُ أثقَالِ أَقْوَامٍ إذَا قَدِحُوا... حُلْوُ الشَّمَائِل يَجْلُو عنْدَهُ نَعَمُ 16 - لَا يَخْلُفُ الوَعْدَ مَيمُونُ نَقِيبتهُ... رَحْبُ الفنَاء أَريبٌ حينَ يَعتَزمُ 3 17 - عَم البَرِيةَ بالإحْسَانِ فَانْقَشَعَتْ... عَنْهُ الغيَاهِبُ والإمْلَاقُ والعَدَمُ 18 - مِن معشَر حبهم دِينٌ وبغضُهُمُ... كُفْرٌ وقُربُهُمُ مَنْجًى ومُعْتَصَمُ 19 - إن عُدَّ أَهْلُ التُّقَى كَانُوا أَئمتَهُم... أَوْ قَيلَ مَنْ خَيرُ أَهْل الأرض؟ قيلَ: هُمُ 20 - لا يَستَطيعُ جَوَادٌ بُعْدَ غَايتهم... ولا يُدَانيهمُ قَومٌ وإن كَرُمُوا 4 21 - هُمُ الغُيُوثُ إذا مَا أَزمَةٌ أَزَمَتْ... والأُسدُ أُسْدُ الشِّرَى والبَأْسُ مُحْتَدِمُ

22 - لا يَنْقَضِي العُشرُ بَسْطًا مِنْ أكُفِّهمُ... سيَّانِ ذلكَ إنْ أَثَرَوْا وإنْ عَدِمُوا 23 - مقَدَّمُ بَعْدَ ذِكرِ الله ذِكرِهُمُ... فيِ كُلِّ بَدْءٍ ومَخْتُومٌ به الكَلمُ 24 - يأبى لَهُمْ أَنْ يَحِلّ الذَّمُّ سَاحتَهُمُ... خَيْمٌ كَرِيمٌ وَأَيْدٍ بالنَّدَى هُضُمُ 1 25 - أَيُّ الخَلَائِقِ لَيسَت في رِقَابهمُ... لأَوَّليَّةِ هَذَا أَوْ لَهُ نِعَمُ 26 - مَنْ يَعْرِفْ اللهَ يَعْرِف أَوَّليَّةَ ذَا... والدينُ منْ بَيتِ هَذَا نَالهُ الأُمَمُ 2 ويحكى أن هشام بن عبد الملك لما حج في أيام أبيه فطاف وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أعيان الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين -رضي الله تعالى عنه- وقد كان من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم أرجًا فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضرًا، فقال: أنا أعرفه، فقال الشامي: من هذا الذي يا أبا فراس؟ فقال: هَذَا الذِي تَعْرِفُ البطْحَاءُ وَطأتَهُ................................... إلى آخر القصيدة، فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب على الفرزدق وحبسه وأنفذ له زين العابدين اثني عشر ألف درهم فردها، وقال مدحته لله تعالى لا للعطاء، فقال: إنا أهل البيت إذا وهبنا شيئًا لا نستعيده فقبلها، هذا الذي ذكره أهل التاريخ، ورأيت في كتاب أولاد السراري تأليف المبرد ونسب بعض هذه الأبيات إلى أبي دهبل 3 حيث قال: ومما نمي إلينا عنه، أي عن زين العابدين أنه مرَّ بمساكين جلوس في الشمس يأكلون على مسح فسلم عليهم فردوا عليه وقالوا: هلم يا ابن بنت رسول الله [- صلى الله عليه وسلم -] 4، ونزل وقال: إن الله لا يحب المتكبرين فأصاب معهم ثم قال: قد دعوتم فأجبنا، ونحن ندعوكم فمضوا معه إلى منزله، فأطعمهم طعامه، وقسّم بينهم كل ما كان عنده، وفيه يقول أبو دهبل فيما روي هذه الأبيات:

1 - هَذَا الذِي تَعْرِفُ البطْحَاءُ وَطْأَتَهُ... والبَيتُ يَعْرِفُهُ والحِلُّ وَالحَرَمُ 2 - هَذَا ابْنُ خَيرِ عِبَادِ الله كُلِّهُمُ... هَذَا التَّقِيُّ النقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ 3 - إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَال قَائِلُهَا... إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الكَرَمُ فأما ما يزاد في هذا الشعر بعد هذه الأبيات فليس منها، إنما هو لداود بن سلم، يقول في قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب -رضي اللَّه تعالى عنهم- وهو قوله 1: 1 - يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابتهِ... فَلَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِيَن يَبتَسِمُ 2 - في كفِّهِ خَيزرانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ... مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ في عِرنِينِهِ شَمَمُ 3 - كمْ هَاتِفٌ بكَ مِنْ أَوْجٍ ورابيةٍ... يَدْعُوكَ يَا قُثَمُ الخَيرَاتِ يَا قُثَمُ 4 - قوله: " [إلى] 2 ذروة العز" ذروة كل شيء أعلاه، ومنه ذروة السنام، قوله: "عبق" بفتح العين وكسر الباء الموحدة وهو صفة مشبهة من العبق بفتحتين مصدر عبق به الطيب بالكسر إذا لزق عبقا وعباقة.
6 - قوله: "من كف أروع" الأروع من الرجال الذي يعجبك حسنه، و: "العرنين" بكسر العين هو أول الأنف يكون فيه الشمم.
8 - قوله: "ينجاب" أي: ينكشف، و: "العتم" بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق وهو الظلام.
9 - قوله: "والخيم" بكسر الخاء المعجمة السجية والطبع لا واحد له من لفظه، و: "الشيم "بكسر الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف جمع شيمة وهي الخلق.
15 - قوله: "إذا فدحوا" بالفاء من فدحه الدين أثقله.
16 - قوله: "ميمون" أي مبارك، و: "النقيبة" أي النفس، وقال ابن السكيت: فلان ميمون النقيبة إذ كان مبارك المشورة 3 قوله: "رحب الفناء" بفتح الراء أي واسع الفناء، و "الأريب" البصير بالأشياء والدرب بها.
21 - و "الأزمة" الشدة والقحط، و "الشرى" بالشين المعجمة مقصور مأوى الأسد، و "البأس" بالباء الموحدة الشدة في الحرب، و "محتدم" بالحاء المهملة من احتدمت النار التهبت ويوم محتدم: شديد الحر.

قوله: "يغضي حياء" على صيغة المعلوم من أغضى إغضاء وهو إدناء الجفون، قوله: "من مهابته" أي من هيبته، قوله: "فما يكلم" على صيغة المجهول.
الإعراب: قوله: "يغضي" جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى زين العابدين -رضي الله تعالى عنه- وهو في محل رفع على أنه خبر عن مبتدأ محذوف تقديره: هو يغضي، و "حياء" نصب على التعليل، أي: لأجل حيائه، قوله: "ويغضى من مهابته" على صيغة المجهول والنائب عن الفاعل فيه ضمير المصدر، أي هو أي الإغضاء، وكلمة: "من" للتعليل، أي لأجل مهابته وهو مفعول له، ولذلك لم ينب عن الفاعل، قوله: "فلا يكلم" الضمير فيه هو النائب عن الفاعل، قوله: "إلا حين يبتسم" استثناء من غير موجب فيجوز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء والرفع على البدلية كما في قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66].
الاستشهاد فيه: في قوله: "ويغضى من مهابته" فإن النائب عن الفاعل فيه هو ضمير المصدر كما قررناه (1).

جارٍ التحميل