المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثامن والخمسون بعد المائة والألف

الشاهد الثامن والخمسون بعد المائة والألف

3، 4 تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكُم... بني ضَوْطَرَى لولَا الكَميّ المُقَنَّعَا أقول: قائله هو جرير بن الخطفي، وهو من قصيدة يهجو بها الفرزدق، وقبله 5: 1 - فلَن تَذكُروا جرّ الفُقَيمِيّ غَالِبًا... ولَا الفَقْرَ عندَ المنقَرِيّ المُضَيّعَا 2 - سأذكُرُ مَا لَمْ تَذكُرُوا عِندَ مِنقَرٍ... وأثْنِي بِعَارٍ مِنْ حُمَيدَةَ أشنَعَا12

وهو من الطويل.
1 - قوله: "فلَنْ تَذكُرُوا جرَّ الفُقَيمِيِّ غَالِبًا " بالجيم وتشديد الراء؛ مصدر مضاف إلى فاعله، وغالبًا مفعوله، وهو أبو الفرزدق، وكان بين الفقيمي وغالب أمور كثيرة، وكان الفقيمي قد أنزله وأرجله وأذله، يعرض به جرير للفرزدق ما جعل لأبيه من الإهانة والذلة.
2 - قوله: "عقر النيب": من عقرت الناقة إذا عرقبتها لئلا تبرح لما يرام من نحرها، و "النيب" بكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة، وهو جمع ناب، وهي الناقة التي نصفت سنها، وهي أحمد ما يكون لكثرة رسلها وتتابع نسلها.
وقال الجوهري 1: "النابُ: "المُسنَّةُ من النُّوقِ، والجمع: النّيب وهو فُعْل كأسد وأُسْد، وإنما كسروا النون لتسلم الياء، والتصغير: نُيُيْبٌ، ويقال: سميت لطول نابها فهي كالصفة؛ فلذلك لم تدخلها الهاء لأن الهاء لا تلحق تصغير الصفات، تقول: نِيَّبَتِ الناقة، أي: صارت هَرِمَة، ولا يقال للجمل ناب، وقال سيبويه: من العرب من يقول في تصغير ناب: نويب، فيجيء بالواو لأن هذه الألف يكثر انقلابها من الواو 2. وقال ابن السراج: هذا غلط منه 3. قلت: ظاهر كلام الجوهري أن ابن السراج هو الذي غلط سيبويه وليس كذلك، بل المراد أن الغلط من العرب الذين يقولون ذلك، والتغليط من سيبويه لهؤلاء، فحكى ابن السراج كلام سيبويه مع تغليطه كلامهم لا أنه غلّط سيبويه 4. وحاصل المعنى: أن جريرًا قصد الذم من كلامه هذا، فزعم أنهم إنما يعقرون النيب لأنها نِيبَتْ وأسنت فلا يرجون نسلها ولا رسلها.
3 - قوله: "بني ضوطرى" بفتح الضاد المعجمة وسكون الواو وفتح الطاء والراء المهملتين، والضوطر والضيطر والضوطرى: الضخم الذي لا غناء عنده، وقال ابن يسعون في شرح أبيات

الإيضاح: "الضوطرى: المرأة الحمقى، وزنها: فوعلى كالخوزلى، وبني ضوطرى رماهم بالحمق لأن أمهم محمقة، والمحمقة بضم الميم الأولى وكسر الثانية هي المرأة التي تلد الحمقى، وكذلك يقال: رجل محمق.
وحكى كراع عن يعقوب: الضوطرى: الكثير اللحم، وهو قريب من المعنى الذي ذكرناه، قوله: "الكمي" بفتح الكاف وكسر الميم وتشديد الياء آخر الحروف، وقال ابن قتيبة: هو من كمي الشيء إذا ستره، وجعله فعيلًا بمعنى مفعول؛ لأنه مكمي أي: مستور؛ كأن الله يستره بحفظه إياه، وقيل: هو فعيل لفظًا ومعنى، أي: يخفي شجاعته فلا يظهرها إلا عند الحاجة أو يخفي نفسه في السلاح.
وقال ثعلب 1: واشتقاقه من كمى يكمي إذا قصد إلى القتل؛ فهو على هذا فعيل أو فعول على الخلاف فيه، وقد أشار إليه أبو علي حيث قال في تكسير الصفات: وزعم أبو زيد أنهم قالوا: كمي وأكماء، قال: وزعم غيره أن مثله عدوّ وأعداء 2، وهذا الجمع على اعتقاد حذف الزيادة منه، ومن قال في جمعه كماة شبَّه فعيلًا بفاعل.
قوله: "المقنعا" بضم الميم وفتح القاف وتشديد النون بعدها عين مهملة، وهو الذي عليه مغفر أو بيضة.
الإعراب: قوله: "تعدون": جملة من الفعل والفاعل وهو بمعنى: تحسبون فيقتضي مفعولين؛ لأنه من جهة الاعتقاد لا من جهة الأعداد، والمفعول الأول هو قوله: "عقر النيب"، والثاني: هو قوله: "أفضل مجدكم"، ويجوز أن يكون من العدّ، ويكون أفضل مجدكم مفعولًا ثانيًا بإسقاط حرف الجر؛ أي: تعدون ذلك من أفضل مجدكم، قوله: "بني ضوطرى": منادى حذف منه حرف النداء، تقديره: يا بني ضوطرى.
الاستشهاد فيه: في قوله: "لولا الكمي المقنعا" حيث نصب الكمي بالفعل المقدر بعد لولا؛ لأن تقديره: لولا تلقون الكمي أو تبارزون أو نحو ذلك 3.

وقال ابن يسعون: يجوز عندي أن يكون الفعل المراد بعد لولا تعدون لتقدم ذكره، والتقدير: هلا تعدون قتل الكمي المقنع أفضل مجدكم؛ فحذف المضاف لأنه لا يُشْكل لتقدم ذكره، وقال ابن مالك: التقدير: لولا تعدون عقر الكمي أو قتله؛ فحذف الفعل المضاف وأقام المضاف إليه مقامه (1).

جارٍ التحميل