الشاهد السابع والعشرون بعد المائة والألف
1, 2
لا أَعْرِفَنْ رَبْرَبًا حُورًا مَدَامعُها... مُرَدَّفاتٍ على أَعْقَابِ أَكوَارِ
أقول: قائله هو النابغة الذبياني، وهو من قصيدة من البسيط، وأولها هو قوله 3:
1 - لقد نَهَيتُ بَنِي ذُبْيَانَ عن أُقُرٍ... وَعَنْ تربُّعِهِمْ في كل أَصْفارِ
2 - وقلتُ يَا قومُ إن الليثَ مُنْقَبِضٌ... على براثِنِهِ لِوَثْبَةِ الضاري
3 - لا أعْرِفَنْ رَبْرَبًا حُورًا مَدَامِعُها... كأن أبكارَهَا نِعَاجُ دُوَّارِ
4 - يَنظرْنَ شزرًا إلَى مَنْ جَاءَ عَنْ عُرُضٍ... بأوْجُهٍ مُنْكَراتٍ الرِّقِّ أحرارٍ
1 - قوله: "أقر" بضم الهمزة والقاف وفي آخره راء، وهو واد مملوء حمضًا ومياهًا، وكان النُّعمان بن الحارث الأصغر الغساني قد احتماه فاحتماه النَّاس فتربعه بنو ذبيان فنهاهم النُّعمان عن ذلك وحذرهم وخوفهم إغارة الملك فتربعوه، ولما مات النُّعمان رثاه النابغة وكان منقطعًا إليه، ثم انقطع إلى عمرو بن الحارث أخي النُّعمان بن الحارث فوجه إليهم خيلًا فأصابوهم، ففي ذلك قال النابغة هذه القصيدة [هي تسعة عشر بيتًا] 4، قوله: "وعن تربعهم" أي: حلولهم فيه زمن الرَّبيع وإنما قال: "في كل أصفار" لأن صفر يومئذ كان في الرَّبيع، وقيل: معناه: حين يتصفر الماء ويتربل الشجر 5 ويبرد الليل، وذلك آخر الصيف.
2 - قوله: "إن الليث منقبض" أي: مجتمع متهيئ للوثوب و"البراثن": المخالب، و"الضاري": من صفة الليث، ومعناه: المتعود أكل النَّاس، وضرب هذا مثلًا للملك الذي حذر قومه منه.
3 - و"الربرب": القطع من البقر، شبه النساء به في حسن العيون وسكون المشي، قوله: "حورًا" بضم الحاء المهملة، جمع حوراء؛ من الحور وهي شدة بياض العين في شدة سوادها، يقال: امرأة حوراء؛ أي: بينة الحور، قال الأصمعيّ: ما أدري ما الحور في العين؟ وقال أبو عمرو:
الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر، قال: وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء حور العيون؛ لأنهن شبهن بالظباء والبقر 1.
و"المدامع": العيون وهي مواضع الدمع، قوله: "كأن أبكارها نعاج دُوَّار" هكذا وقع هذا الشطر في ديوان النابغة، و"النعاج": أناث البقر، قوله: "دوار" بضم الدال وتشديد الواو، وهو اسم موضع وهو شجر اليمامة.
قوله: "مردفات": جمع مردفة بالتشديد؛ من ردفه إذا تبعه، وأراد به مترادفات؛ أي: متتابعات.
قوله: "على أعقاب أكوار" ويروى: على أحناء أكوار، و"الأعقاب": جمع عقب، وعقب كل شيء: آخره، و"الأحناء" جمع حِنو السرج بكسر الحاء وسكون النُّون، و"الأكوار" جمع كور بضم الكاف، وهو الرحل بأداته.
الإعراب:
قوله: "لا" ناهية كما يجيء، و"أعرفن": جملة من الفعل والفاعل مؤكدة بالنُّون الخفيفة، وقوله: "ربربًا": مفعوله، قوله: "حورًا": نصب على أنَّه صفة لربربًا، و" مدامعها": مرفوع بقوله: "حورًا"، قوله: "مردفات": نصب على الحال من ربرب، وقوله: "على أعقاب أكوار" يتعلق بها.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لا أعرفَنْ" فإن لا ناهية، وهو نهي للمتكلم، وهو قليل جدًّا فإن المتكلم لا ينهي نفسه إلَّا على نوع من التجوز وتنزيلها منزلة أجنبي حتَّى ينهاها، وحاصل الكلام في هذا الباب أن الفعل إذا كان مبنيًّا للمفعول جاز دخول لا الناهية عليه مطلقًا، سواء كان متكلمًا أم مخاطبًا أم غائبًا نحو: لا أخرج ولا تخرج ولا يخرج زيد، وإن كان مبنيًّا للفاعل فالأكثر أن يكون للمخاطب نحو: لا تذهب، ويضعف للمتكلم والغائب.
فافهم 2.