المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد التاسع والأربعون بعد الثلاثمائة

الشاهد التاسع والأربعون بعد الثلاثمائة

4, 5 ولقدْ عَلِمْتُ لَتَأْتين مَنيَّتِي... إِن الْمنَايَا لا تَطيشُ سهَامهَا أقول: قائله هو لبيد بن عامر الجعفري؛ هكذا قالت جماعة [ولكني لم أجد في ديوانه إلا] 6123

الشطر الثاني، حيث يقول: صادفْنَ منْهَا غرةً فأصَبنَهُ... إن المنَايَا لا تَطِيشُ سِهَامُهَا وهذا في وصف بقرة صادفتها الذئاب فأصبن ولدها، وهو من قصيدة طويلة من الكامل وأولها هو قوله 1: 1 - عفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فمُقَامُهَا... بِمِنًى تَأَبَّدَ غَولُهَا فَرِجَامُهَا 2 - فمُدافِعُ الرَّيَّانِ عَرَّى رسمُها... خَلْقًا كَمَا ضَمِنَ الوحيّ سلامُها 3 - دِمَنٌ تُجَرِّم بَعدَ عَهدِ أَنِيسهَا... حِجَجٌ خَلَوْنَ حلَالُهَا وَحَرَامُهَا إلى أن قال: 4 - خَنْسَاءُ ضَيَّعتِ الفَرِيرَ فَلَم يرِمْ... عَرْضَ الشقَائِقِ طَوْفُهَا وبُغَامُهَا 5 - لِمُعَفرٌ قَهْدٌ تَنَازع شِلْوَهُ... غُبْرٌ كواسبُ ما يمنُّ طَعَامُهَا 6 - صادفْنَ منْهَا غرةً فأصَبنَهُ... إن المنايَا لا تَطِيشُ سِهَامُهَا 1 - قوله: "عفت" أي: درست وانمحت "ومحلها": حيث حلوا ونزلوا، "ومقامها": حيث أقاموا، وقال الأصمعي: "منى": موضع ببلاد قيس قريب من طخفة في الشق الأيسر وأنت مصعد إلى مكة، وصرفه لأنه مذكر 2، وكذا منى الحرم مصروف.
قوله: "تأبد" أي: توحش، و"الغول" بفتح الغين المعجمة وسكون الواو؛ اسم موضع، وكذلك الرجام وهو بكسر الراء وبالجيم.
2 - قوله: "فمدافع الريان" بفتح الراء وتشديد الياء آخر الحروف؛ وهو اسم واد، و "مدافعه": أعاليه التي تدفع الماء إلى أسفله، قوله: "عرى رسمها" أي: لم يبق فيه أحد، قوله: "خلقًا": نصب على القطع من الرسم؛ لأنه مضاف إلى معرفة، و "الرسم": أثر الدار ما لم يكن شاخصًا من رماد أو سرجين، و "الطلل": كل ما شخص من وقد أو مسجد أو آري، قوله: "كما ضمن الوحي" بفتح الواو وكسر الحاء، على وزن فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مكتوب، يقال: وحيت الشيء أحيه وحيًا إذا كتبته، و"السلام": الصخور، والواحدة: سلمة، والهاء في سلامها يرجع إلى المدافع، والمعنى: كما ضمنت الحجارة الكتاب؛ أي: صار فيها.
حاصله: أن هذا الرسم قد أخلق فلا يكاد يبين إلا كما يبين الكتاب القديم في الحجارة.
3 - قوله: "دمن": جمع دمنة وهي آثار الناس وما سودوا من البعر وغير ذلك، قوله: "تجرّم"

أي: تكمل، ويقال: مضى، وقوله: "حجج" أي: سنون، قوله: "حلالها وحرامها" أي: شهور الحل منها والحرم، وارتفاعها يجوز أن يكون بطريق البدل من الحجج، ويجوز أن يكون بفعل محذوف تقديره: خلا حلالها وحرامها.
4 - قوله: "خنساء" أراد بها البقرة الوحشية، وخنسها تأخر أنفها في الوجه، يقال: كل بقرة وحشية خنساء، وكل ثور أخنس، قوله: "الفرير" بفتح الفاء وكسر الراء؛ وهو ولد البقرة، ويجمع على: فُرار بضم الفاء، قوله: "لم يرم" أي: لم يبرح، قوله: "عرض الشقائق" وهي قطع غلاظ ما بين كل جبلي رمل شقيقة، و"بغامها" بضم الباء الموحدة؛ وهو صوتها.
5 - قوله: "لمعفر"، المعفر: ولدها الذي كاد أن يعظم فتعفره، وتعفيره أن يترك الرضعة بين الرضعتين حتى يمرن على ترك الرضاع، قوله: "قهد" بفتح القاف وسكون الهاء؛ وهو الذي في لونه بعض الحمرة بصفرة، قوله: "شلوه" أي: عضوه، قوله: "غبر": فاعل تنازع، أراد به ذباب غبر، وهو جمع أغبر؛ من الغبرة في اللون، قوله: "ما يمن طعامها" يعني: أنها تكسب ولا تطعم.
6 - قوله: "صادفن منها" أي: صادفت الذئاب من البقرة فأصبن ولدها، قوله: "إن المنايا": جمع منية وهو الموت، قوله: "لا تطيش" من طاش السهم عن الهدف أي: عدل، والمعنى: أن الموت لا تعدل سهامه عن أحد.
الإعراب: قوله: "ولقد علمت": كلام مؤكد بثلاثة أشياء: الأول: واو القسم؛ ولهذا قال سيبويه: كأنه قال: والله لتأتين 1، والثاني: لام الابتداء، والثالث: كلمة قد التي للتحقيق، ثم قوله: "علمت" محتمل الوجهين: أحدهما: أن يكون معلقًا كما ذكره الشراح فيكون "لتأتين" جوابًا لقسم محذوف، وجملتا القسم والجواب في موضع نصب بالفعل المعلق 2. والثاني: أن يكون أجري لإفادته تحقيق الشيء وتوكيده مجرى القسم؛ فيخرج حينئذ عن طلب المفعولين ويتلقى بما يتلقى به القسم، وعلى هذا فلا قسم مقدر، والجملة لا محل لها كسائر الجمل التي يجاب بها القسم، ويخرج البيت عن الدليل.
قوله: "لتأتين": فعل مضارع مؤكد بالنون الثقيلة، وقوله: "منيتي": كلام إضافي فاعله،

قوله: "إن": حرف من الحروف المشبهة بالفعل، وقوله: "المنايا": اسمه، وخبره الجملة أعني قوله: "لا تطيش سهامها" وسهامها: مرفوع بتطيش.
الاستشهاد فيه: على أن لام القسم أو الابتداء في قوله: "لتأتين منيتي" علقت "علمت" عن العمل؛ أي منعته من الاتصال بما بعده والعمل في لفظه؛ لأن ما له صدر الكلام لا يصح أن يعمل ما قبله فيما بعده.
فإن قلت: ما الفرق بين الإلغاء والتعليق؟ فإن المفعولين في كل واحد من الموضعين يرجع إلى أصله وهو الرفع؟ قلت: كل واحد منهما متصل معناه بالجملة، لكن الملغيّ لا عمل له فيها لا لفظًا ولا تقديرًا، وهو منزل معها منزلة حرف مهمل، والمعلق عامل فيها معنًى فهو معها بمنزلة المبني، حقه أن يظهر فيه عمله لولا المانع في المعمول (1).

جارٍ التحميل