الشاهد التاسع والسبعون
1, 2
تَرَاهُ كَالثغَامِ يُعَلُّ مِسكًا... يَسُوءُ الفَالِيَاتِ إذَا فَلَيْني
أقول: قائله هو عمرو بن معدي كرب بن عبد الله بن خصم [بن عمرو] 3 بن زبيد الأصغر، وهو [أي زبيد الأصغر اسمه] 4 ابن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبه بن زبيد الأكبر بن الحرث بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج الزبيدي المذحجي، أبو ثور، وذكر نسبه أبو عمرو، وقال الكلبي: عصم موضع خصم قدم على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في وفد مراد؛ لأنه قد كان فارق قومه سعد العشيرة، ونزل في مراد ووفد معهم إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فأسلم معهم، وقيل: إنه قدم في وفد زبيد، واللَّه أعلم.
وأنه أسلم 5 سنة تسع، وشهد اليرموك في أيام أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - ثم سيره عمر - رضي الله تعالى عنه - إلى سعد بن أبي وقاص 6 بالعراق وشهد القادسية 7 وله فيها بلاء حسن، وقتل يوم القادسية، وقيل: بل مات عطشًا يومئذ، وقيل: بل مات سنة إحدى وعشرين بعد أن شهد وقعة نهاوند مع النُّعْمَانِ بنِ مُقَرن 8 فمات بقرية من قرى نهاوند، يقال لها: رُودة.
والبيت المذكور من الوافر.
قوله: "كالثغام" بالثاء المثلثة والغين المعجمة؛ جمع ثغامة وهي شجرة بيضاء الثمر والزهر، يشبه الشيب بثمرها، قوله: "يعل" من العلل، وهو الشراب الثاني فكأنه يترك فيه المسك مرة بعد مرة، يقال: عللته بالشراب علًّا وعللًا: سقيته بعد نهل.
قوله: "يسوء الفاليات" أي يحزنهن، و "الفاليات" بالفاء جمع فالية من فلي الشَّعْر: أَخْذ القمل وهو من باب فلي يفلي كعلم يعلم، قوله: "فليني": جمع الؤنث الغائب من الماضي من اللفظ المذكور.
الإعراب:
قوله: "تراه" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، والضمير يرجع إلى شعر رأسه، قوله: "كالثغام" مفعول ثان لـ"تراه"؛ لأنه بمعنى تظنه أو تعلمه، والأصوب أن يكون كالثغام حالًا؛ لأن "تراه" من رؤية البصر، والمعنى: تبصره حال كونه مشبهًا بالثغام.
قوله: "يعل" على صيغة المجهول، والضمير الذي فيه يرجع إلى الشعر وهو نائب عن الفاعل، قوله: "مسكًا" نَصْبٌ على أنه مفعول ثانٍ لـ "يعل"؛ لأنه من الإعلال لا من العل، والجملة محلها النصب [على الحال] 1، قوله: "يسوء" يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يسوء، والفاليات مفعوله والظاهر أن الجملة قد سدت مسد جواب "إذا فليني"، و "إذا" ظرف فيه الشرط.
و"فليني" جمع مؤنث من الماضي كما قلنا وأصله: فلينني بنونين، إحداهما: نون الجمع المؤنث، والأخرى: نون الوقاية للمتكلم، فحذف إحدى النونين وهي نون الوقاية والباقية هي نون الجمع، وإنما أسقط التي مع الياء؛ لأنها زائدة، ونظير هذا قراءة أهل المدينة لقوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ 2 [الحجر: 54]، وكذا قوله تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ 3 [الأنعام: 80]؛ وذلك لأنهم استثقلوا التضعيف 4، وعند سيبويه المحذوفة هي نون الإناث، والباقية نون الوقاية 5، واختاره ابن مالك 6، وذكر صاحب البسيط أنه لا خلاف أن المحذوفة نون الوقاية، قال وفليني جاء في الشعر فلا يقاس عليه.
الاستشهاد فيه: في قوله: "إذا فليني" حيث حذفت منه نون الوقاية كما ذكرناه.