المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثاني والأربعون بعد المائتين

1، 2 أَكْثَرْتَ في الْعَذْلِ مُلِحًّا دَائِمًا... لا تُكْثِرَنْ إِنِّي عَسَيتُ صَائِمًا أقول: قد قيل إن قائله هو رؤبة بن العجاج، وقال أبو حيان: هذا البيت مجهول لم ينسبه الشراح إلى أحد فسقط الاحتجاج به، وكذا قال أبو عبد الواحد الطواح في كتابه بغية الآمل ومنية السائل 3، قلت: لو كان الأمر كما قالا لسقط الاحتجاج بخمسين بيتًا من كتاب سيبويه؛ فإن فيه ألف بيت قد عرف قائلها وخمسين بيتًا مجهولة القائلين، وقد حرف ابن الشجري هذا الرجز فأنشده 4: قم قائمًا قم قائمًا... إني عسيت صائمًا وإنما قم قائمًا، صدر رجز آخر يأتي بيانه -إن شاء اللَّه تعالى-، والبيت المذكور من الرجز المسدس.
قوله: "أكثرت" من الإكثار، و"العذل" بالذال المعجمة؛ الملامة، وقد عذلته فاعتذل، والاسم العذل بالتحريك، قوله: "مُلِحّا": من ألحَّ يلحّ إلحاحًا فهو مُلِحٍّ، قوله: "عسيت" بفتح العين وكسر السين، يقال: عسيت أفعل ذاك، وعسيت أفعل أيضًا بفتح السين وقرئ 5: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: 22]، وعَسِيتم بالفتح والكسر.

الإعراب: قوله: "أكثرت": فعل وفاعل، و "في العذل": يتعلق به، قوله: "ملحًّا": نصب على الحال، و"دائمًا": صفته، قوله: "لا تكثرن": نهي مؤكد بالنون الخفيفة، ويروى: لا تلحني بمعنى لا تلمني، من لحيته بالفتح ألحاه لحيًا إذا لمته.
قوله: "إني" الياء اسم إن، وقوله: "عسيت صائمًا": خبره، وقد علم أن عسى تلحق بكان في رفع الاسم ونصب الخبر، فاسمه ضمير المتكلم، وخبره قوله: "صائمًا".
الاستشهاد فيه: في قوله: "عسيت صائمًا" وذلك لأن الأصل أن يكون خبر عسى فعلًا مضارعًا، وقد جاء ها هنا مفردًا وهو نادر 1، وقد قيل في هذا المقام خلاف ذلك 2؛ وذلك لأن عسى هاهنا فعل تام خبري لا فعل ناقص إنشائي بدليل وقوعه خبرًا لإن، ولا يجوز بالاتفاق: إن زيدًا هل قام؟ بدليل قبول هذا الكلام التصديق والتكذيب، فعلى هذا؛ فالمعنى: إني رجوت أن أكون صائمًا فصائمًا خبر لكان والفعل مفعول لعسى 3، وسيبويه يجيز حذف أن والفعل إذا قويت الدلالة على الحذف؛ ألا ترى أنَّه قدر في قوله: ..................................... من لد شولًا؟ من لد أن كانت شولًا 4، ومن وقوع عسى فعلًا خبريًّا، قوله تعالى: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة: 246]؛ ألا ترى أن الاستفهام طلب فلا يدخل على الجملة الإنشائية، وأن المعنى: قد طمعتم أن لا تقاتلوا إن كتب عليكم القتال.
ومما يحتاج إلى النظر قول القائل: عسى زيد أن يقوم؛ فإنك إن قدرت عسى فيه فعلًا إنشائيًّا كما قاله النحويون أشكل؛ إذ لا يسند فعل [الإنشاء] 5 إلا إلى منشئه، وهو المتكلم كَبِعْتُ

واشتريتُ وحررتك، وأيضًا فمن المعلوم أن زيدًا لم يَتَرَجَّ، وإنما المترجي المتكلم، وإن قدرته خبرًا؛ كما في البيت والآية، فليس المعنى على الإخبار، ولهذا لا يصح تصديق قائله ولا تكذيبه.
فإن قلت: يخلص من هذا الإشكال أنهم نصوا على أن كَان وما أشبهها أفعال جارية مجرى الأدوات فلا يلزم فيها حكم سائر الأفعال.
قلت: قد اعترفوا مع ذلك بأنها مسندة؛ إذ لا ينفك الفعل المركب عن الإسناد، والذي يُخَلِّصُ من هنا الإشكال أن يدعى أنها هاهنا حرف بمنزلة لعل؛ كما قال سيبويه والسيرافي بحرفيتها في نحو: عساي وعساك وعساه (1)، وقد ذهب جماعة منهم أبو بكر إلى أنها حرف دائمًا (2)، وإذا حملناها على الحرفية زال الإشكال؛ إذ الجملة الإنشائية حينئذ اسمية لا فعلية؛ كما نقول: لعل زيدًا يقوم، فافهم هذا الموضوع فإنه دقيق.

جارٍ التحميل