الشاهد الحادي والتسعون
5, 6 أنا اقْتَسَمْنَا خُطَّتَينَا بَيْنَنَا... فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحتَمَلْتَ فَجَارِ أقول: قائله هو النابغة الذبياني، واسمه: زياد بن معاوية، وقد ترجمناه فيما مضى 7 وهو1234
من قصيدة يهجو بها زُرْعة بن عمرو بن خويلد الفزاري حيث لقيه بعكاظ، فأشار عليه أن يشير على قومه بقتل بني أسد وتَرْكِ حِلْفَهم، فأبى النابغة [الغدر] 1 [وبلغه] 2 أن زُرْعة يتوعده، فقال يهجوه:
1 - نُبِّئْتُ زُرْعَةَ والسَّفَاهَةُ كاسْمِهَا... يُهْدِي إِلَيَّ غَرَائِبَ الأَشْعَارِ
2 - فَحَلَفْتُ يَا زُرْعَ بن عمرو إِنَّنِي... مِمَّا يَشُقُّ عَلَى العَدُوِّ ضِرَارِي
3 - أرأيتَ يَوْمَ عُكَاظٍ حين لقِيتَنِي... تحت العَجَاجِ فَمَا شَقَقْتَ غُبَارِي
4 - أنَا اقْتَسَمْنَا خُطَّتَينَا بَينَنَا... فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحتَمَلْتَ فَجَارِ
5 - فَلَتَأْتِيَنَّكَ قَصَائِدُ وَلَيَدْفَعَنْ... جيشًا إِلَيكَ قَوَادِم الأكوارِ
6 - رَهْطُ ابنُ كُوزٍ مُحْقِبِي أَذرَاعِهِم... فيهم ورهطُ رَبيعَةَ بنِ حُذَارِ
7 - ولرهطِ حَرَّابٍ وَقَدٍّ سُورةٌ... في المجدِ ليس غرابُها بمُطار
8 - وبنو قعين لا مَحَالةَ أنهم... آتوْكَ غَيرَ مُقَلَّمِي الأَظْفَارِ
وهي من الكامل، وفيه الإضمار وهو مستفعلن، والقطع وهو: فعلاتن، فإن قوله: "فجار" [فعلاتن] 3 مقطوع.
1 - قوله: "نُبّئِت"، أي: أُخْبِرْتُ ومعنى "والسفاهة كاسمها" أن معناها قبيح كاسمها، قوله: "يهدي إلي غرائب الأشعار" يعني: أنه غير مشهور بالشعر ولا منسوب إليه، فالشعر من قِبَلِه غريب؛ إذ ليس من أهله.
2 - قوله: "يا زرع" منادى مرخم أصله: يا زرعة بن عمرو، و "الضرار": الدنو من الشيء واللصوق به، يقول: أنا قوي عزيز فالعدو يكره مجاورتي له، وإنما يفخر بهذا على زرعة بن عمرو.
3 - قوله: "فما شققت غباري" [معناه: سبقتك بالمفاخرة وبَعُدَ بيني وبينك؛ فلم تلحقني ولا شققت غباري] 4، يقال: فلان ما شق غبار فلان؛ أي: ما لحقه ولا سعى سعيه، وأصل هذا المثل في الفرس الجواد الذي يسبق الخيل وينسلخ منها فلا يُلْحَق ولا يُشَق غباره، ويروى: فما حططت غباري، أي فما استطعت أن تُلقي عنك غباري، يعني: غبار الحرب، وقيل المعنى: لم يرتفع غبارك فوق غباري.
ويروى فما خططت غباري بالخاء المعجمة؛ أي ما دخلت فيه، والغبار: العجاج، و"عكاظ" أحد مواسم العرب.
4 - قوله: "أنا اقتسمنا خطتينا" 1 هذا مثل، أي: كانت لي ولك خطتان فأخذتُ أنا البرة وأخذتَ أنت الفجرة، و"الخطة": القصة والخصلة، وإنما قال [ذلك] 2؛ لأن زرعة دعاه إلى الغدر ببني أسد ونقض حلفهم، فأبَى ذلك ولزم الوفاء والبر، ونسب زرعة إلى الغدر والفجور، و "بَرّة": اسم علم وضع من البر فلم يصرفه؛ لأنه معرفة مؤنث 3؛ لأنه اسم للخطة، و"فَجَارِ": اسم معدول عن الفجور معرفة، فبناه كما بنيت حَذَامِ وقَطَامِ 4.
فإن قلتَ: لمَ قال في الإخبار عن نفسه فحملت، وفي الإخبار عن نفس زرعة احتملت، فما الفرق بينهما؟
قلتُ: العرب إذا استعملت فعل وافتعل بزيادة التاء وبغير الزيادة، كان الذي لا زيادة فيه يصلح للقليل والكثير، والذي فيه [الزيادة] 5 للكثير خاصة نحو: كسب واكتسب، ونهب وانتهب، وأراد [النابغةُ] (6) أن يهجو زرعة بكثرة غدره وإيثاره الفجور، فذكر اللفظة التي يراد بها التكثير خاصة ليكون أبلغ في الهجو 6. ولو قال: وحملت فجار؛ لاحتمل ألا يكون غدر إلا مرة واحدة.
وأما قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286], فالوجه فيه أنه لما كان الإنسان يجازى على قليل الخير وكثيره استعمل فيه اللفظ الذي يصلح للقليل والكثير، ولما كان الإنسان لا يجازى إلا على الكبائر دون الصغائر؛ لأن الصغائر معفو عنها غير مجازى بها، استعمل معها اللفظ الذي لا يكون إلا للتكثير 7.
5 - قوله: "فَلَتَأْتِيَنَّكَ قَصَائِدُ" يتوعده بالهجو والغزو إليه، قوله: "وَلَيَدْفَعَنْ جَيشًا إِلَيكَ قَوَادِم الْأَكْوَارِ" يريد أنهم يركبون الإبل ويقودون الخيل، والأكوار: الرواحل، وواحد القَوَادِمِ: قَادِمٌ، وهو من الرحل بمنزلة القربوس من السّرج.
6 - قوله: "ابن كُوزٍ" بالزاي المعجمة؛ رجل من بني أسد، وكذلك ربيعة بن حُذَار، وحذار بضم الحاء المهملة وتخفيف الذال المعجمة، وكان ربيعة حكمًا في الجاهلية.
7 - و"الحرّاب" بتشديد الراء؛ رجل من بني أسد، وكذلك "قدٍّ" بالقاف وتشديد الدال، وقال الكلبي 1: هما من بني والبة، و: "السُّوَرة": المنزلة الرفيعة، قوله: " [ليس] 2 غرابها بمطار، يعني: شرفهم ثابت باقٍ ليس بزائل، وكانوا إذا وصفوا المكان بالخصب وكثرة الشيء يقولون: لا يطير غرابه، يريدون أنه يقع في مكان فيجد ما يشبع به، فلا يحتاج إلى أن يتحول ويطير إلى غيره.
8 - قوله: "آتوْكَ غَيرَ مُقَلَّمِي الأَظْفَارِ" أي: يأتونك متهيئين لمحاربتك وسلاحهم كامل ولا يأتونك 3 مسالمين بلا سلاح، وضرب الأظفار مثلًا للسلاح؛ لأن أكثر السباع وجوراح الطير تصيد بمخالبها وتمتنع بها، و"بنو قعين": حي من بني أسد.
الإعراب:
قوله: "أنَّا" بفتح الهمزة ها هنا؛ لأنها وقعت مفعولًا لقوله: "أعَلِمْتَ يوم عكاظ" في البيت السابق، ويروى: أرأيت، وأن: حرف من الحروف المشبهة بالفعل، و (نا) اسمه، و"اقتسمنا" خبره وأن مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي "أرأيت" أو أعلمت في البيت السابق، قوله: "خطتينا": كلام إضافي مفعول "اقتسمنا"، و"بيننا" ظرف لقوله اقتسمنا، قوله: "فحملت" الفاء للتفصيل 4 و"حملت" جملة من الفعل، والفاعل وهو "أنا" 5 المستتر فيه، وقوله: "برة" مفعوله، قوله: "واحتملت" جملة من الفعل والفاعل وهو "أنا" المستتر فيه، و"فجار" مفعوله.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "برة" وقوله: "فجار" فإنهما من أعلام الجنس المعنوي؛ فإن برة علم للبر، وفجار علم للفجور 6 فافهم.