الشاهد الثامن والسبعون بعد المائتين
2، 3 قَالتْ ألا ليتما هذا الحمامُ لنا... إلى حمامتنا أو نصفه فَقَدٍ أقول: قائله هو النابغة الذبياني، واسمه زياد بن معاوية وقد ترجمناه فيما مضى وهو من قصيدة دالية مشهورة وهي من البسيط وأولها هو قوله 4:1
1 - يَا دارَ مَيَّةَ بالعلياءِ فالسَّندِ... أَقْوَتْ وطال عليها سالفُ الأبدِ
2 - وقفتُ فيها أُصَيلانًا أُسائلُها... عيّت جوابًا وما بالربع من أحدِ
3 - إلَّا الأواريَّ لَأْيًا ما أُبَيّنها... والنؤى كالحوضِ بالمظلومةِ الجلدِ
إلى أن قال:
4 - واحكُم كحكم فتاة الحيّ إذَا نَظَرَتْ... إلى حمامِ سراعِ وارد الثَّمَدِ
5 - قالت ألا ليتما............................ إلى آخره
6 - تَحْفُهُ جَانِبًا ما نِيقٌ وتتبُعُه... مِثْلُ الزُّجَاجةِ لم تكْحَلْ مِن الرَّمَدِ
7 - فحَسِبُوه فألفَوْه كَمَا حَسِبتُ... تسْعًا وتِسْعِينَ لم ينقُصْ ولَمْ يَزِدِ
8 - فأكملتْ مائةً فيها حمامتنا... فأسرعتْ حسبةً في ذَلِكَ العَدَدِ
1 - قوله: "بالعلياء فالسند": كلاهما موضعان، والعلياء: ما ارتفع من الأرض، والسند: سند الجبل، قوله: "أقوت" أي: خلت من النَّاس وأقفرت، وفيه التفات من الخطابة للغيبة، و"السالف": الماضي، و"الأبد": الدهر.
2 - قوله: "أصيلانًا" أي: عشيًّا، وهو تصغير أصلان -بضم الهمزة وهو جمع أصيل وهو بعد العشي، ويجمع على أصل وأصائل أَيضًا، وقد تبدل اللام من النُّون في أصيلان فيقال: أصيلال 1، قوله: "أسائلها" أي؛ الدار، وسؤاله إياها توجع منه وتأسف، قوله: "عيت" أي: تحيرت عن الجواب، وجوابًا نصب على نزع الباء.
3 - قوله: "إلَّا الأواري": جمع الارية ومعناها: موضع الدواب، قوله: "لَأْيًا" تقديره: لأيت لأيًا؛ أي: أبطأت في الجواب، قوله: "والنؤي" هي حفيرة تحفر حول الخيمة ليجري فيها ماء المطر، قوله: "بالمظلومة" هي الأرض التي لم تحفر قط، و"الجلَد" بفتح اللام؛ الصلب.
4 - قوله: "واحكم كحكم فتاة الحيِ" [أي: احكم مثل] 2 حكم فتاة الحي، وهو خطاب إلى النُّعمان بن المنذر؛ لأنه يعتذر بهذه القصيدة إليه، أراد: كن حليمًا بنصب الرأي في أمري ولا تَقْبَلْ ممن سعى بي إليك، وكن كفتاة الحي إِذا أصابت ووضعت الأمر موضعه، ولم يرد الحكم في القضاء، وأراد بفتاة الحي: زرقاء اليمامة، وهي امرأة من بقية طسم وجديس، يضرب بها المثل في حدة النظر، قيل: كانت ترى من مسافة ثلاثة أميال 3، وكان يومًا نظرت إلى قطا
يَطير بين الجبلين وقالت:
1 - ليتَ الحمَامَ لِيَه... إلَى حَمَامَتِيَهْ
2 - ونِصْفَهُ قَدِيَهْ... تَمَّ القَطَاةَ مِيَهْ
ثم تبع واحد منهم تلك القطا إلى أن وردت الماء فعدها فإذا هي تسع وتسعون قطاة مثل ما قالت.
قوله: "إلى حمام" الحمام عند العرب: ذوات الأطواق من نحو الفواخت والقماري والقطا والوراشين ونحو ذلك، يقع على الذكر والأنثى؛ لأن الهاء إنما دخلته على أنَّه واحد من الجنس لا للتأنيث، وعند العامة: أنها الدواجن فقط، الواحدة حمامة.
قوله: "سراع" بكسر السين المهملة؛ جمع سريع ككرام جمع كريم، ومعناه: قاصدة إلى الماء وهو قوله: "الثمد" وهو الماء القليل الذي لا مادة له، وهو بفتح الثاء المثلثة والميم، ويقال: بسكون الميم أَيضًا.
5 - قوله: "أو نصفه فقدِ" أي: فحسب، وحرِّكت الدال لأجل الوزن، وقد علم أن لفظة "قد" تجيء بمعنى حسب؛ كقوله عليه الصلاة والسلام 1: "لا يزال يلقى في جهنم وتقول هل من مزيد حتَّى يضع الله قدمه فتقول: قد قد" أي: حسب حسب، وجاء في الشعر أَيضًا؛ كما في قوله 2:
قدني من نصر الحبيبين قدي.........................
وقد ذكرناه فيما مضى 3.
6 - قوله: "تحفه" أي: تحيطه، من حف حوله يحف حفًّا إذا طاف واستدار؛ قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: 75] قوله: "نيق" بكسر النُّون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره قاف؛ وهو أرفع موضع في الجبل، والجمع: نياق.
7 - قوله: "فألفوه" بالفاء، أي: وَجَدُوه، من ألفى يلفى إلفاء؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25] أي: وجداه.
وفي هذا البيت مسألة حسابية، وهو أن يقال: أي عدوإذا أضيف إليه نصفه وواحد بلغ مائة؟ فتقول: العدد شيء ويضاف عليه نصف شيء وواحد لكلغ مائة؛ فيكون الشيء ستة وستين ونصف الشيء ثلاثة وثلاثين، فصار تسعة وتسعين فإذا أضيف إليها واحد صارت مائة؛ فقد أضيف إليه نصف شيء وواحد فصار الشيء مائة.
ويدل على ذلك قوله: ليتما هذا الحمام لنا ونصفه إلى حمامتنا، أي: ألا ليتما هذا الحمام لنا ومثل نصفه إلى حمامتنا، أي: يضاف هذا الحمام ومثل نصفه إلى حمامتنا فيصير مائة، ولذلك قال النابغة بعد هذا البيت:
فحسبوه فَأَلْفَوْهُ كما ذكرت........... إلى آخره
الإعراب:
قوله: "قالت": جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى الزرقاء، قوله: "ألا ليتما هذا الحمام... إلى آخره": مقول القول، وكلمة: "ألا" ها هنا للتمني، وإن كان موضعها الأصلي للتنبيه.
قوله: "ليتما" كلمة ليت حرف تمني يتعلق بالمستحيل غالبًا وبالممكن قليلًا، وحكمه أن ينصب الاسم ويرفع الخبر، وقد ينصبهما عند الفراء 1، وقد اقترن بها ها هنا ما الحرفية، فجاز فيها إعمالها لبقاء الاختصاص وجاز إهمالها حملَا على أخواتها؛ فعلى الأول يُنْصَبُ الحمامُ، وعلى الثاني يُرْفَعُ.
وقد قيل: يحتمل أن يكون رفع "الحمام" على أن "ما" موصولة وأن الإشارة خبر لهو محذوفًا، والتقدير: ليت الذي هو هذا الحمام لنا؛ فلا بد حينئذ على الإهمال، ولكن فيه نظر؛ لأن حذف العائد المرفوع بالابتداء في صلة غير أي مع عدم طول الصلة قليل 2.
قوله: "لنا": خبر ليت، قوله: "إلى حمامتنا" كلمة إلى ها هنا بمعنى المعية، أي: [مع حمامتنا] 3؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: 14] أي: مع الله، قوله: "أو نصفه": كلمة
أو ها هنا بمعنى الواو التي لمطلق الجمع، والدليل عليه أنَّه روي: ونصفُه بالواو، وهو بالرفع والنصب جميعًا عطفًا على الحمام، قوله: "فقد" يعني: فحسب، وأصله البناء على السكون، وإنما كسر ها هنا للضرورة، وهو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: فحسبي ذلك.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ليتما هذا الحمام" وهو جواز الوجهين فيه؛ أعني: إعمال ليت بعد دخول ما الكافة وإهمالها، وقال ابن الناظم: نظرًا إلى الكف بما، وقال غيره؛ حملًا على أخواتها وهو الصواب؛ لأن الكف ناشئ عن زوال الاختصاص ولم يزل فيها فافهم (1).