الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائة
5، 6 رُبمَا تَكْرَهُ النفوسُ مِنَ الأَمـ... ـر لَهُ فَرْجَة كَحَلِّ العِقَالِ أقول: قائله هو أمية بن أبي الصلت، وذكر في الحماسة البصرية أن قائله: هو حنيف بن عمير اليشكري 7، ويروى: أنه لنهار ابن أخت مسيلمة الكذاب- لعنه اللَّه تعالى، والأول أشهر، وقبله: 1 - صَبر النَّفْسَ عِنْدَ كُلِّ مُلِمٍّ... إِنَّ فيِ الصَّبْرِ حِيلَةَ المحتَالِ 2 - لا تَضِيقَن بالأمُورِ ذَرْعًا فَقَدْ... يَكْشِفُ عَمَّاؤُهَا بِغَيْرِ احْتِيَالِ 81234
وهي من الخفيف، وفيه الخبن والتشعيث.
1 - قوله: "صبر النفس" أي: احبسها عن الجزع، "عند كل ملم" أي: عند كل مصيبة من مصائب الدنيا.
2 - قوله: "عماؤها" بالعين المهملة وتشديد الميم 1 للضرورة، والعماء في اللغة: السحاب الرقيق، سمي بذلك؛ لأنه 2 يُعمي الأبصار عن رؤية ما وراءه، وأراد بها ها هنا ما يحول بين النفس ومرادها.
3 - قوله: "ربما تكره النفوس" وفي رواية سيبويه: "ربما تجزع النفوس" 3، قوله: "فرجة" بفتح الفاء، وهي التفصي والانفراج، وقال النحاس: الفرجة -بالفتح في الأمر، والفرجة- بالضم فيما يرى من الحائط ونحوه 4، قوله: "العقال" بكسر العين، وهو القيد، وقال ابن الأثير: العقال: الحُبَيل الذي ينعقل 5 به البعير.
المعنى: رب شيء تكرهه النفس 6 من الأمر سهل كحل عقال الدابة.
الإعراب:
قوله: "ربما" رب حرف جر، وكلمة ما: بمعنى شيء، نكرة مجردة عن معنى الحرف، ناقصة [موصوفة، والتقدير: رب شيء تكرهه النفوس؛ فحذف العائد الذي هو مفعول "تكره"] 7 والجملة صفة ما، ويجوز أن تكون ما كافة والفعول المحذوف اسمًا ظاهرًا، أي: قد تكره النفس 8 من الأمر شيئًا، أي: وصفًا فيه، أو الأصل من الأمور أمرا، وفي هذا إنابة المفرد عن الجمع، وفيه وفي الأول إنابة الصفة غير المفردة عن الموصوف؛ إذ الجملة بعده صفة، له هذا الذي ذكره ابن هشام 9.
قلتُ: إذا كانت ما كافة تبقى: "مِن" التبيينية بعدها خالية عن الفائدة 10.
وقيل: يجوز أن تكون "ما" هي المهيئة لدخول "رب" على الجملة (1).
قلتُ: يلزمه في ذلك حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه؛ إذ التقدير حينئذ: رب تكره النفوس شيئًا من الأمر.
وقال النحاس في شرح أبيات سيبويه (2): ويجوز أن تكون "ما" في [هذا] (3) البيت فاصلة، قوله: "من الأمر" صفة أخرى بعد صفة، قوله: "له فرجة": جملة ابتدائية، صفة أخرى -أيضًا-، والضمير في: "له" يرجع إلى "ما"، أي: لهذا الشيء المكروه انفراج.
الاستشهاد فيه:
على وقوع "ما" موصوفة بمعنى شيء في قوله: "ربما تكره النفوس" (4)، وقال صاحب الإقليد: "ما" حقها أن تكتب مفصولة؛ لأن "ما" اسم نكرة موصوفة لا زائدة؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159] (5)، "وما" ها هنا ليست بموصولة؛ لأن الموصول معرفة، و "رب" لا تدخل إلا على النكرات (6).