الشاهد الثمائون بعد المائة
2, 3
تُسَاورُ سَوَّارًا إلى المَجْدِ والعُلا... وفِي ذِمَّتِي لَئِنْ فَعَلْتَ ليَفْعَلَا
أقول: قائلته هي ليلى الأخيلية، وهو شعر تهجو به النابغة الجعدي، وتفضل عليه سوار بن أوفى القشيري، وذلك لأن النابغة كان قد هجاها بقصيدة أولها 4:
1 - أَلا أَبْلِغَا لَيلَى وَقُولا لَهَا هَلا... فَقَدْ ركبتْ أَمرًا أَغَرّ مُحَجَّلا
2 - ذَرِي عَنك تَهْجَاءَ الرِّجَالِ وَأَقبِلِيَ... عَلَى أَزْلَقيٍّ يَمْلأ اسْتَكِ فَيشَلا
وأول شعرها 5:
1 - أَنَابَغُ لَم تَنْبُغْ وَلَمْ تَكُ أَوَّلا... وَكُنْتُ صُنَيًّا بَينَ صُدَّيْنِ مَجْهَلا
2 - أَعَيرْتَنِي دَاءً بِأُمِّكَ مِثْلُهُ... وَأَيُّ جَوَاب لا يُقَالُ لَهُ هَلا
3 - تُسَاورُ سَوَّارًا إلى المجدِ والعُلا... وفيِ ذِمّتِي لَئِنْ فعَلْتَ ليَفْعَلَا
وكلتا القصيدتين من الطَّويل.
[أولًا: شرح أبيات النابغة]
1 - قوله: "ألا أبلغا ليلى" ويروى: ألا حييا ليلى، قولها: "هلا": كلمة زجر، وأصله يستعمل في زجر الخيل 6.
2 - قوله: "ذري" أي: اتركي، و"التهجاء": مصدر مثل التهدار بمعنى الهجاء، قولها: "أزلقي" أي: رجل فصيح متقن، قولها: " [فيشلا"] 7 بفتح الفاء وسكون الياءآخر1
الحروف وفتح الشين المعجمة، وهو الذكر العظيم الكمرة.
[ثانيًا: شرح أبيات ليلى الأخيلية]
1 - قولها: "أنابغ": منادى مرخم، يعني: يَا نابغة، قولها: "لم تنبغ" أي: لم تظهر؛ من نبغ ينبغ من باب فتح يفتح، ونبغ ينبغ من باب ضرب يضرب، ونبغ ينبغ من باب نصر ينصر، قولها: "وكنت صنيًّا" بضم الصاد المهملة وفتح النُّون وتشديد الياءآخر الحروف، وهو تصغير صنو، وهو حسي صغير لا يرده أحد ولا يؤبه له، ويقال: هو شق في الجبل، و"الحسي" بكسر الحاء، وهو الماء المتوارى في الرمل، ويروى: وكنت شعيبًا بين صدين، و"الصد" بضم الصاد المهملة وتشديد الدال، وهو الجبل، وقال أبو عمرو: يقال لكل جبل صَدّ وصُدّ وسَدّ وسُدّ ثم أنشد البيت 1.
3 - قولها: "تساور سوارًا" أي: ترافع 2 سوارًا، وهو على وزن فَعَّال بالتشديد، وهو سوار بن أوفى القشيري؛ هكذا وقع في غالب نسخ ابن الناظم 3 وغيرها، وكذا رأيت أَبا حيان قد ضبطه بيده، وفي شرح التسهيل 4 وهو تصحيف.
والصحيح: تُساور سوارًا -بضم التاء المثناة من فوق وإهمال السين؛ من المساورة وهي المواثبة والمغالبة؛ وذلك أن ليلى الأخيلية كان بينها وبين سوار مودة، وكان بين سوار والنابغة الجعدي مفاخرة ومحاربة، وكان كل واحد يفضل نفسه على الآخر، فليلى تخاطب النابغة بقولها: كساور سوارًا، أي: ترفع نفسد على سوار 5 وتغالبه في المفاخرة، "وفي ذمتي لئن فعلت" أي: رفعت نفسك عليه ليفعلا، أي: ليفعل الآخر، أي: ليرفع هو نفسه عليك -أَيضًا- وما يسلم لك.
قولها: "إلى المجد" أي: إلى الكرم يقال: رجل مجيد، أي: كريم، و "العلا" بضم العين بمعنى العلو، قولها: "لئن فعلت": خطاب للنابغة -أَيضًا-، قولها: "ليفعلا" أي: ليفعل سوار -أَيضًا-، والألف فيه مبدلة من النُّون الخفيفة 6.
الإعراب:
قولها: "تساور": جملة من الفعل والفاعل و"سوارًا": مفعوله، قولها: "إلى المجد": يتعلق بـ"تساور"، و"العلا" عطف على المجد، قولها: "وفي ذمتي": خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وفي ذمتي قسم أو يمين، قولها: "لئن فعلت": فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، وكذا قولها: "ليفعلَا" والجملة جواب القسم.
الاستشهاد فيه:
في قولها: "وفي ذمتي" حيث حذف فيه المبتدأ حذفًا وجوبًا, ولا يذكر المبتدأ في مثل هذه الصورة؛ كما في قولهم: في ذمتي لأفعلن (1)، وقد قيل: في جعل"ذمتي" قسمًا صريحًا نظر؛ لأنه ذكر في حذف الخبر أن القسم مما يشعر بمجرد ذكره، وقولها: "في ذمتي" لا يشعر بمجرد ذكره؛ لأنه يحتمل أن يكون: في ذمتي دين أو عهد، فلا يفهم القسم إلَّا بذكر المقسم به (2).