الشاهد التاسع والعشرون بعد المائتين
4، 5 دَعَانِي أَخِي وَالخَيْلُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ... فَلَمَّا دَعَانِي لَمْ يَجِدْنِي بِقُعْدُدِ أقول: قائله هو دريد بن الصمة بن معاوية بن الحرث بن جداعة بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن الفارس المشهور، والشاعر المذكور أحضره مالك بن عوف النصري يوم حنين معه فقتل كافرًا، والبيت المذكور من قصيدة دالية أولها هو قوله: 1 - أَرَثَّ جَدِيدُ الحَبْلِ منْ آل مَعْبَدٍ... بعَافِيةِ وأَخْلَفَتْ كُلَّ مَوْعِدٍ 2 - وبَاتَتْ ولمْ أَحْمِلْ إليك نوالها... ولمْ تَرْجُ فِينَا درة اليومِ أو غد 3 - وكل تباريح المحب لقيته... سوى أنني لم ألق حتفي بمرصد 4 - فقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجِ... سَرَاتُهُمُ في الفارِسِي المُسَرَّدِ123
5 - ولما رأيت الخيل قبلًا كأنها... جراد بياري وجْهَةِ الريح تغتدي
6 - أمرْتُهُمُ أمريٍ بمُنْعَرجِ اللِّوَى... فَلَمْ يستبينُوا الرشْدَ إلا ضُحَى الغَدِ
7 - فلَّما عَصْونِي كُنْتُ منهم وقَدْ أَرَىَ... غَوَايَتَهُمْ وإنَّني غَيرُ مُهْتدي
8 - ومَا أَنا إلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ... غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ
9 - دعاني أخي........................................ إلى آخره
10 - نظرتُ إليه والرِّمَاحُ تَنُوشُهُ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسيجِ المُمَدِّد
11 - فطاعنتُ عَنْهُ الخيلَ حَتَّى تَبدَّدتْ... وحَتَّى عَلانِي حالِكُ اللونِ أسْودِ
12 - طعانَ امرئِ آَسى أخَاهُ بِنَفْسهِ... ويعلمُ أَنَّ المرْءَ غَيرُ مُخَلَّدِ
13 - تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسًا... فقلت أعبد اللَّه ذلكم الردي؟
14 - فإنْ يَكُ عَبدُ اللَّه خَلَّى مكانَهُ... فَما كَانَ وقَّافًا ولا طائِشَ اليدِ
وهي من الطويل.
1 - قوله: "أرث" بالثاء المثلثة المشددة، يقال: أرث الثوب إذا أخلق، وأراد: "بآل معبد" آل أخيه، وهو معبد بن الصمة، وكان له ثلاث أسماء: معبد وعبد اللَّه وخالد، ويقال بدل معبد: عارض؛ ولهذا قال في الحماسة في أول هذه القصيدة:
فصحْتُ لعارضٍ وأصحابِ عَارِضٍ... وَرَهْطِ بني السَّوْدَاءِ والقومُ شُهَّدِي 1
3 - قوله: "وكل تباريح المحب" أي: توهجه، قال الجوهري: تَباريحُ الشوقِ: توهُّجُه 2، ويقال: تباريح البلاء: شدائده.
4 - قوله: "ظنوا" بضم الظاء وتشديد النون، ومعناه: أيقنوا، و"المدجج": التام السلاح من الدجة -بضم الدال وتشديد الجيم؛ وهي شدة الظلمة؛ لأن الظلمة تستر كل شيء، فلما ستر نفسه بالسلاح قيل: مدجج، وقيل: إنه من الدج، وهو المشي الرويد، والتام السلاح لا يسرع في مشيته، وأراد "بالفارسي المسرد" الدرع.
5 - قوله: "قُبلًا" بضم القاف وسكون الباء الموحدة؛ جمع قبلاء من قولهم: رجل أقبل، وهو الَّذي كأنه ينظر إلى طرف أنفه، قوله: "يبارى" أي: يعارض، من قولهم: فلان يباري الريح سخاء.
6 - قوله: "بمنعرج اللوى" وهو منعطف الرمل، وأراد به الموضع المعنى 1 منه، قوله: "فلم يستبينوا الرشد" ويروى: النصح.
7 - قوله: "كنت منهم" من هذه تفيد تبيين الوفاق وترك الخلاف، وأن الشأنين واحد.
8 - قوله: "وما أنا إلا من غزية" ويروى: وهل أنا إلا من غزية -بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي، وأراد بغزية رهطه؛ فجعل نفسه منهم في حالتي الغي والرشاد.
9 - قوله: "دعاني أخي" وهو عبد الله، وهو المسمى بمعبد وخالد أيضًا كما ذكرناه 2، وأراد "بالخيل" الفرسان؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: 64]؛ أي: بفرسانك، قوله: "بقعدد" القعدد بضم القاف وسكون العين وضم الدال الأولى وفتحها، يقال: رجل قعدد إذا كان قريب الآباء إلى الجد الأكبر، وكان يقال لعبد الصمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس - رضي الله تعالى عنهم - قُعْدد بني هاشم، ويُمدح به من وجه؛ لأن الولاء للكبر ويُذم به من وجه؛ لأنه من أولاد الهَرْمي، وينسب إلى الضعف، ومنه قول الشاعر.
والمعنى: طلبت أخي في الحرب، والحال أن الفرسان بيني وبينه، ولما طلبني لم يجدني قعددًا يعني: ضعيفًا متأخرًا.
10 - قوله: "تنوشه" أي: تأخذه، قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلًا ليأخذ برأسه ولحيته: ناشه ينوشه 3، وكان أخوه عبد الله قتل، وجعل دريد يذب عنه وهو جريح، وهو قوله: "نظرت إليه والرماح تنوشه" وروي: فجئت إليه والرماح تنوشه، قوله: "كوقع الصياصي": جمع صيصية، وهي شوكة الحائك التي يسوى بها السدى واللحمة، وتكون من قرن ومن خشب.
11 - قوله: "حتَّى تبددت" أي: حتَّى تفرقت، ويروى: حتَّى تنفست، قوله: "حالك اللون أسود" يروى برفع الدال على الإقواء 4، ويروى: أسودي بياء النسب؛ كما قيل في الأحمر: أحمري، ثم خففت ياء النسب فحذفت الأولى منهما وجعلت الثانية صلة.
12 - قوله: "أردت الخيل" أي: أهلكت الخيل فارسًا؛ من الإرداء وهو الإهلاك، قوله: "فقلت أعبد الله ذلكم الردي" أي: الهالك، والهمزة في أعبد الله للاستفهام، وإنما قال ذلك لما عرف من إقدامه أو لسوء 5 ظن الشقيق.
الإعراب:
قوله: "دعاني": فعل ومفعول، وقوله: "أخي": كلام إضافي فاعله، قوله: "والخيل": مبتدأ، وخبره قوله: "بيني" و "بينه": عطف عليه، والجملة وقعت حالًا، قوله: "فلما دعاني": عطف على دعاني الأول، و "لما": ظرف، وجوابه "لم يجدني"، قوله: "بقعدد": مفعول ثان لقوله: "لم يجدني" والباء فيه زائدة.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بقعدد" حيث دخلت الباء في المفعول الثاني لوجد لتقدم النفي عليه (1).