المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الحادي والثلاثون بعد المائة

1، 2 وَقد كنْتُ تُخْفِي حُبَّ سَمْرَاءَ حِقبَةً... فَبُح لان مِنْهَا بِالَّذِي أَنْتَ بَائِحُ أقول: قائله هو عنترة بن شداد بن معونة 3 بن مالك بن قطعة بن عبس، وشداد هو فارس جروة، وجروة فرسه، وكانت أم عنترة حبشية، وكان له من أمه أخوة عبيد، وكان من أشد الناس بأسًا، وهم شاعر مشهور وفارس مذكور، والبيت من قصيدة حائية من الطويل وأولها [هو] 4 قوله 5: 1 - طَرِبْتَ وهاجتْك الظِّبَاءُ السَّوَانِحُ... غَدَاةَ غدَا مِنْهَا سَنِيحٌ وبَارحُ 2 - فمالتْ بِيَ الأَهْوَاءُ حَتى كَأنَّمَا... بِزَنْدَيْنِ فيِ جَوْفيِ مِنَ الوَجْدِ قادحُ 6 3 - وقد كنت تخفي.......................................... إلخ 7 4 - لعمري لقد أَعْذَرْتُ لَوْ تَعْذِرِينَنِي... وخَشّنْتِ صَدْرًا غَيبُهُ لَكِ ناصحُ 5 - أعاذلُ كم مِن يَوْمِ حَربٍ شَهِدْتُهُ... له مَنظَرٌ بَادي النّوَاجِذِ كالحُ 6 - فلمْ أَرَ حَيًّا صابَرُوا مِثْلَ صَبرِنَا... ولَا كَافَحُوا مثلَ الذينَ نُكَافِحُ 7 - إذَا شِئْتُ لاقَانِي كَمِيٌّ مُدَجّجٌ... علَى أَعْوَجِيّ بِالطِّعَانِ مُسَامِحُ 8 - نُزَاحِفُ زَحْفًا أو نُلَاقِي كَتِيبَةً... تُطَاعِنُنَا أوْ يَذْعَرُ السّرْحَ صَائِحُ 9 - فلمَّا التَقَينَا بِالجِفَارِ تَضَعْضَعُوا... وَرُدّتْ علَى أَعقَابِهِنّ المَسَالِحُ 10 - وسارتْ رجالٌ نحوَ أخرى عليهمُ ال... حديدُ كَمَا تَمْشِي الجِمَالُ الدُّوَالِحُ 11 - إذا ما مشَوْا في السابغَاتِ حسبتَهم... سُيُولًا وقدْ جَاشَتْ بهنَّ الأباطِحُ 12 - فأُشْرِعَ رَايَاتٌ وتحتَ ظلالِهَا... من القومِ أبناءُ الحروبِ المَرَاجِحُ

13 - ودُرْنَا كَمَا دارتْ على قُطْبِهَا الرَّحَى... ودارتْ على هامِ الرِّجَالِ الصفائحُ 14 - بهَاجِرَة حتى تغيَّبَ نُورُهَا... وأقبلَ ليلٌ يقبضُ الطرفَ سايحُ 15 - تداعَى بنُو عبسٍ بكل مُهَنَّدٍ... حسَامٍ يُزيلُ الهَامَ والصَّفُّ جانحُ 16 - وكل رُدينيٍّ كَأَنَّ سنانَهُ... شِهابٌ بَدَا في ظلمةِ الليلِ واضحُ 17 - فخلوا لنا عوذ النساء وجببوا... عباديد منها مستقيم وجامح 18 - وكل كَعَابٍ خَذْلَةِ السَّاقِ فَخمة... لها مَنصبٌ في آل ضَبةٍ طامحُ 19 - تركنَا ضِرَارًا بيَن عَانٍ مُكَبّلٍ... وبينَ قتيلٍ غابَ عنهُ النوائحُ 20 - وعَمرًا وحيَّانًا تركْنَا بقَفْرَةٍ... تعودُهُمَا فيها الضِّبَاعُ الكوَالِحُ 21 - يُجَرِّرْنَ هَامًا فَلَّقَتْهُ سيوفُنَا... تَزَيّلَ مِنْهُن اللِّحَى والمَسَايحُ 1 - قوله: "طربت": من الطرب، وهو خفة الشوق، ويستعمل في السرور والجزع، و"هاجتك": بعثت شوقك وهيجته، و" السانح والسنيح" ما أتاك [عن يمينك] 1 فولاك مياسره من ظبي أو غيره، و"البارح" ضده.
2 - و "القادح": الذي يقدح النار.
3 - قوله: "سمراء"؛ اسم محبوبته، قوله: "حقبة" -بكسر الحاء المهملة وسكون القاف وفتح الباء الموحدة ومعناها: مدة طويلة، وإلا فالحقبة في اللغة تطلق على ثمانين عامًا، ويجمع على حقب بكسر الحاء وفتح القاف، وقد ضبطه بعضهم: خفية، من خفي الشيء يخفى وأخفيته إذا سترته، [وهو في خفية بضم الخاء، وقال ابن الأثير: يقال خفيت الشيء إذا أظهرته وأخفيته إذا مشرته] 2، والصحيح: حقبة بالحاء المهملة والقاف، وقوله: "فبح لان" بح- بضم الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة.
أمر من باح بالشيء يبوح به إذا أعلن، والبائح فاعل منها، وقوله: "لان" أصله: الآن، فحذف الشاعر منه الهمزتين، ويقال: لان لغة في الآن كما يقال فيه: تلان -أيضًا- بالتاء المثناة من فوق قال الشاعر 3:

تولي قبل نأي دار جمانا... وصلينا كما زعمت تلانا أي: الآن، وقد روى الأعلم هذا البيت هكذا 1. تعزيت عن ذكرى سمية حقبة... فبح عنك منها بالذي أنت بائح 2 ثم قال: الحقبة يعني: السنة 3، قوله: "فبح عنك منها" أي: أخبر عن نفسك ما كنت تكتمه من حبها والاشتياق إليها.
4 - قوله: "أعذرت" أي: بالغت، يقال؛ أعذر في الأمر إذا بالغ فيه، وعذر إذا قصر، و "غيب الصدر": ما ينطوي عليه ويستره.
5 - و "النواجذ": آخر الأضراس، و "الكالح": العابس الذي تقلصت شفتاه حتى بدت أضراسه.
6 - و "المكافحة": المواجهة والمقابلة في الحرب.
7 - و"الكمي": الشجاع، "والمدجج": الداخل في السلاح، و "الأعوجي": الفرس المنسوب إلى أعوج؛ فحل قديم، و "مسامح" أي: سخي بالطعان سمح به، وهو صفة للمدجج.
8 - قوله: "أو يذعر السرح" أي: يفزعها عند الغارة عليها، والصياح لها، و "السرح": الإبل الراعية.
9 - قوله: "بالجفار" بكسر الجيم وتخفيف الفاء 4، وهو ماء لبني ضبة، قوله: "تضعضعوا" أي: تفرقوا، و "المسالح": المراصد من الخيل، مثل مسالح الطرق، وهي المواضع [التي] 5 يكون فيها أهل السلاح يحمون الطريق.
= حسبك تلان، فزاد التاء... جميع هذا يحكم على التاء فيه بالزيادة، ولا يحتاج في ذلك إلى دليل لوضوح كونها زائدة".
ينظر الممتع (1/ 272 - 274).

10 - و"الجمال الدوالح" أي المثقلة.
11 - و "السابغات": الدروع الكاملة، قوله: "جاشت" أي: غلبت واضطربت.
12 - قوله: "فأشرع رايات" أي: قوبل بعضها ببعض، "وأبناء الحروب": أهلها المقاتلون فيها، سموا بذلك؛ لأن الحرب تجمعهم فكأنها أمٌّ لهم، ولذلك قيل للحرب الشديدة الهلكة: عقيم، يراد.
أن أبناءها قتلوا ولم تلد 1. 13 - و "قطب الرحى": ما تدور عليه، و "الهام": جمع هامة، وهي الرأس، و "الصفائح": ما عرض من السيوف.
14 - قوله: "يقبض الطرف" أي: يذهب نوره بظلمته، و "السايح" -بالياء آخر الحروف بعد الألف، ومعناه: المنبسط الظلمة.
16 - و "الرديني": الرمح، نسب إلى ردينة، وهي امرأة كانت تبيع القنا، أو قبيلة.
17 - قوله " عوذ النساء" بالذال المعجمة جمع عائذ، وهي التي ولدت حديثًا فولدها عائذ بها لصغره، قوله: "جببوا" أي: هربوا، و "العباديد": المتفرقون، و "الجامح": الذي في غير استقامة.
18 - و "الكعاب": التي نهِد ثدياها فصار كالكعب، و "خذلة الساق" أي: غليظتها، و "فخمة" أي عظيمة، و "الطامح": المرتفع، يقول 2 موضعها رفيع شريف.
19 - قوله: "ضرارًا" يعني: ضرار بن عمرو الضبي 3، و "العاني": الأسير، و "المكبل": المشد وِثَاقًا.
20 - و "عمرو وحيّان": من بني ضبة، و "القفرة": الفلاة، و "الكوالح": التي كشرت عن أنيابهن.
21 - و "المسايح" بالياء آخر الحروف بعد الألف، وهي ذوائب مقدم الرأس، واحدتها مسيحة.
الإعراب: قوله: "وقد كنت تخفي" بالواو للعطف على ما قبله، وتخفي: جملة في محل النصب على أنها خبر كان، وقوله: "حب سمراء": كلام إضافي مفعول لـ "تخفي"، قوله: "حقبة" نصب

على الظرف، قوله: "فبح": جملة من الفعل والفاعل، والفاء فيه جواب شرط محذوف تقديره: إذا كان كذلك فبح، قوله (1): "لان" أي الآن، نصب على الظرف، وكلمة: "من والباء": كلاهما يتعلق بقوله فبح.
وقوله: "بالذي" في محل النصب؛ لأنه مفعول "فبح" لأنه يتعدى بالباء، قوله: "أنت بائح": جملة اسمية وقعت صلة للموصول، والعائد محذوف تقديره: أنت بائح به.
الاستشهاد فيه: [في قوله: "بالذي أنت بائح"] (2)، وذلك لأن العائد إذا كان مجرورًا بحرف لا يحذف إلا إذا دخل على الموصول حرف مثله نحو: مررت بالذي مررت به، فلك أن تقول: مررت بالذي مررت [به، ولك أن تقول: مررت بالذي مررت] (3) بدون به، وكذلك قوله: "بالذي أنت بائح" وأصله بائح به، كما قلنا.

جارٍ التحميل