المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد التاسع والستون بعد المائة

2, 3 مُرَسَّعَةٌ بَينَ أَرْبَاعِهِ... بِهِ عَسَمٌ يَبتَغِي أَرْنَبا أقول: قائله هو امرؤ القيس بن مالك النميري، وقد قال بعضهم: إن هذا لامرئ القيس بن حجر الكندي 4. وقال أبو القاسم الآمدي 5 (صاحب المختلف والمؤتلف في أسماء الشعراء) 6: هذا ليس بصحيح، والصحيح هو الأول.
قلت: هذا مثبت في ديوان امرئ القيس بن حجر الكندي، وقال في شرحه: وهو رواية أبي عبيدة والأصمعي.
وقال أبو سعيد: قرأتها على أبي حاتم والزيادي جميعًا 7، وذكره الأعلم 8 فيما جمعه من القصائد المختارة للستة؛ أحدهم امرؤ القيس بن حجر الكندي 9. وهو من قصيدة بائية من الوافر، وأولها هو قوله: 1 - أيَا هِنْدُ لا تَنْكِحِي بُوهَة... عَلَيهِ عَقِيقَتُهُ أَحْسَبا 2 - مُرَسَّعَةٌ بَين أَرْسَاغِهِ... بِهِ عَسَمٌ يَبتَغِي أَرْنَبا 3 - لِيَجْعَلَ فيِ سَاقِهِ كَعْبَهَا... حِذَارَ المنَيةِ أَنْ يَعْطَبا1

4 - فَلَسْتُ بخِزرَافَةٍ في القُعُودِ... وَلَسْتُ بطَيَّاخَةٍ أَخْدَبا 5 - وَلَسْتُ بِذِي رَيْثَةِ إمَّرٍ... إِذَا قيدَ مُسْتَكْرَهًا أَصْحَبا 6 - وَقَالتْ بِنَفْسِي شَبَابٌ لَهُ... ولِمَّتُهُ قَبلَ أَنْ يَشجُبا 7 - إِذْ هيَ سَوْدَاءُ مثل الجَنَا... حِ تَغْشَى المطَانِبَ والمنَكِبا 8 - فَلَمَّا انْتَحَيتُ بِعَيرَانَة... أشَبِّهُهَا قطمًا مصعَبا 9 - تُجَاوبُ أَصْوَاتَ أَنيَابِهَا... كَمَا رعتْ فِي الضَّالة الأَخْطَبا 10 - كأكْدر مُلْتَئِمٍ خلقهُ... تَرَاهُ إِذَا مَا عدا تَالِبَا 1 - قوله: "أيا هند" هي أخت امرئ القيس، يقول لها: لا تتزوجي رجلًا هو في الرجال مثل البوهة؛ وهي البومة العظيمة، قال الأعلم: البوهة: البومة العطمة تضرب مثلًا للرجل الذي لا خير فيه ولا عقل له، وهو [بضم] 1 الباء الموحدة وسكون الواو وفتح الهاء وفي آخره تاء 2، وقال أبو حاتم: رجل بوهة: لا خير فيه، وقال أبو عمرو: البومة الصغيرة يشبه بها الرَّجل الأحمق 3. قوله: "عقيقته" أي: شعره الذي خرج به من بطن أمه، أراد أنَّه لا يطلي ولا يحلق شعره ولا يتنظف، قوله: "أحسبا" بالحاء والسين المهملتين، وهي من الحسبة، وهي صهبة تضرب إلى العمرة، وهي مذمومة عند العرب، وقال في شرح الديوان: الأحسب: الأحمر في سواد، والحسبة: الحمرة في سواد 4. 2 - قوله: "مرسعة" قال الأعلم: المرسعة مثل المعاذة، كان الرَّجل من جهلة العرب يعقد بين أرساغه معاذة مخافة أن يموت أو يصيبه النبلاء 5، ويقال: مرسعة ومرصعة، والتقدير: بين أرساغه مرصعة 6. وقال غيره: المرسعة: التميمة يجعلها في رسغه، والمرصع أن يخرق سيرًا ثم يدخل فيه طرف سير كنحو سيور المصاحف 7. قلت: هو بضم الميم وفتح الراء وفتح السين المشددة ويقال: بكسر السين، وهو مثل المرسع

اسم فاعل ولكنه أدخل الهاء للمبالغة كعلامة؛ وهو الذي يجعل التميمة في رسغه 1. قوله: "بين أرباعه" ويروى: وسط أرباعه، ويروى: بين أرساغه، ويروى: بين أرباقه.
والمعنى: على رواية أرباعه: أنَّه ملازم أرباعه، أي: منازله، لا يسافر ولا يغزو ولا يهتدي لخيره فهو يرسغ تميمة يجعلها في رسغه يتعوذ بها.
والمعنى: على رواية أرساغه ظاهر، والأرساغ: جمع رسغ.
والمعنى: على رواية أرباقه أنَّه يرسغ على الأرباق، وهي حبال فيها عدة عرى، والواحد رِبق - بكسر الراء وسكون الباء الموحدة.
ق وله: "عسم" -بفتح العين والسين المهملتين؛ وهو يبس في الرسغ، وزيغ يقال: يد عسماء، وقال الأعلم: العسم: اعوجاج في الرسغ ويبس 2، قوله: "يبتغي" أي: يطلب، و"الأرنب": حيوان مشهور من خصائصه أنَّه يحيض بين سائر الحيوانات، وألفه زائدة.
3 - قوله: "حذار المنية" أي: خوف الموت، وقال الأصمعيّ: كانت الجاهلية إذا وقعت الأوباء علقوا عليهم عظامًا من عظام الضبع والذئب وكعاب الأرانب يقولون حتَّى يعدونا الموت.
4 - قوله: "بخزرافة" -بكسر الخاء المعجمة وسكون الزاي وتخفيف الراء وبعد الألف فاء؛ وهو الكثير الكلام الخفيف، وقال أبو حاتم: الخزرافة: الخوّار الضعيف، قوله: "في القعود" أي: إذا قعدت، و"الطياخة" -بفتح الطاء المهملة وتشديد الياءآخر الحروف وبالخاء المعجمة؛ وهو الذي لا يزال يقع في سوءة لحمقه، و"الأخدب"- بالخاء المعجمة؛ وهو الذي لا يتمالك عن الحمق والجهل والاستطالة.
5 - قوله: "ريثة" -بفتح الراء وسكون الياءآخر الحروف وفتح الثاء المثلثة، وهو وجع يأخذ في الركبتين، وقال الأعلم: هو وجع المفاصل من الضعف والكبر 3، و"الإمر" بكسر الهمزة وتشديد الميم المفتوحة، وهو الضعيف والأنثى: إمّرَة، قوله: "إذا قيد" يعني: صاحب الريثة، أراد أنَّه إذا قاده عدوه إلى أمر تابعه وذهب معه، قوله: "أصحبا" أي: اتبع، وألفه للإطلاق.
6 - قوله: "ولمته" -بكسر اللام وتشديد الميم، وهي الشعر يلم بالمنكبين، ويقال: اللمة: الجمة ويجمع على لمم وجمم 4، وقوله: "أن يشجبا" أي: أن يهلك، والشجب: الهلاك، يقال:

شعيب يشجُب من باب نصر ينصر، وشجب يشجَبُ من باب علم يعلم.
7 - قوله: "إذ هي" أي: اللمة سوداء مثل الجناح، ويروى: مثل الفحيم، يريد: الفحم شبه سواد اللمة به، وأراد بالجناح جناح الغراب، قوله: "يغطي المطانب" ويروى: يغشي المطانب، والمطانب- بالنُّون بعد الألف؛ حيث يطنب حبل العاتق إلى المنكب؛ أي: يكون مثل الطنب.
8 - قوله: "فلما انتحيت... إلخ" رواه الزِّيادي والأصمعي، ولم يروه أبو عبيدة ولا أبو حاتم، و"العيرانة": الناقة تشبه بالعير في سرعتها ونشاطها، و"القطم" -بفتح القاف وكسر الطاء وهو الهائج، و"المصعب" الصعب الذي اتخذ للفحلة ولم يذلل بعمل ولا ركوب.
9 - قوله: "في الضالة" -بتخفيف اللام؛ وهي السدر البري، و"الأخطب": الصرد، والخطبة لون [يضرب] 1 إلى الخضرة.
10 - قوله: "ملتئم خلقه" أي: يشبه بعض خلقه بعضًا ليس بمختلف الأعضاء، و"التألب": الغليظ المجتمع.
الإعراب: قوله: "بوهة": مفعول لا تنكحي، قوله: "عليه عقيقته": جملة اسمية وقعت صفة لبوهة لأنها نكرة، قوله: "أحسبا": حال من العقيقة، قوله: "مرسعة" بالرفع: مبتدأ، وقوله: "بين أرباعه": خبره، وبين: نصب على الظرف 2. فإن قلت: أراد بالبوهة الرَّجل الأحمق -كما ذكرنا وكيف يقول: مرسعة بالتأنيث على رواية من رواه بكسر السين؟ قلت: قد قلنا: إن التاء فيه علامة المبالغة، أو يكون من قبيل قولهم: رجل هلباجة وقفقافة 3، قوله: "به عسم": جملة من المبتدأ؛ أعني: عسمًا، والخبر أعني: "به" مقدمًا، والجملة وقعت صفة لمرسعة إذا كان بكسر السين، وأما إذا كان بفتح السين يكون صفة لبوهة، فافهم.
= المنكبين، والجمة: مجتمع شعر ناصية الإنسان.
المصباح المنير: "جمم".

قوله: "يبتغي": فعل مضارع، وفاعله مستتر فيه، و"أرنبًا": مفعوله، وهذه الجملة -أَيضًا- صفة أخرى، وإنما خص الأرنب؛ لأنهم كانوا يعلقون كعبًا كالمعاذة، يزعمون أن من علقه لم تضره عين ولا سحر؛ لأن الجن تمتطي الثعالب والظباء والقنافذ، وتجتنب الأرانب لمكان الحيض.
الاستشهاد فيه: في قوله: "مرسعة" فإنَّها نكرة وقعت مبتدأ؛ لأن النكرة إذا لم [يرد] (1) بها معين ساغ الابتداء بها؛ لأنه لا يريد مرسعة دون مرسعة، بخلاف: رجل قائم، فافهم (2).

جارٍ التحميل