الشاهد الثاني والتسعون بعد المائتين
2, 3
ويومًا توافينا بوجه مُقَسّم... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
أقول: قائله هو أرقم بن علباء اليشكري يذكر امرأة ويمدحها، كذا ذكره في كتاب المنقذ، تأليف أبي عبد الله الكاتب المعروف بالمفجَّع 4، وقال النحاس: هو لابن صُرَيم اليشكري 5، وقال الشيخ جمال الدين بن هشام: هو لباغت اليشكري، ثم قال: وباغت منقول كان بغته بالأمر إذا فاجأه به، ويشكر: منقول من مضارع شكر.
وهو من الطويل.
قوله: "توافينا" بضم حرف المضارعة، من الموافاة وهي المقابلة بالإحسان والخير والمجازاة الحسنة, قوله: "بوجه مُقَسّم" بضم الميم وفتح القاف وتشديد السين المهملة؛ أي: بوجه محسن، ويقال: رجل قسيم الوجه، أي: جميله، ورجال قُسم بضمتين، وذكر في كتاب المنقذ أن المقسّم من القسام وهو الحسن، ثم أنشد البيت المذكور، ثم قال: وإن شئت جعلته من القسمة وهو الوجه، قال 6 محرز بن مكعبر الضبي 7:1
كَأَن دَنَانِيرًا عَلَى قَسَمَاتِهِم... وإنْ كَانَ قدْ شَفَّ الوُجُوهَ لِقَاءُ
وان شئت جعلته من القسامي، وهو الذي يطوي الثياب، قال رؤبة 1:
طي القسامي برود العصاب
وإن شئت جعلته من القسم وهو ما وقع في قلبك وظننته ولا أصل له، قال عدي 2 بن زيد 3:
ظُنَّةٌ شُبهَتْ فأَمْكَنَهَا القسم... فَعَداهُ والخبِيرُ خَبِيرُ
وان شئت جعلته من قاسمته: حالفته؛ من القسم في اليمين؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل: 49].
قلتُ: حاصل الكلام: إن مقسم الوجه هو حسن الوجه كأن كل موضع منه أعطى قسمه من الحسن.
قوله: "تعطو" أي: تتناول وتأخذ لترعى؛ من عطا يعطو عطوًّا؛ وكأنه ضمنه معنى تميل؛ أي: تميل في مرعاها إلى كذا؛ فلذلك عداه بإلى، وقال ابن يعيش 4: العاطية: التي تتناول أطراف الشجر مرتعية 5.
قوله: "إلى وارق السلم" الوارق -بكسر الراء بمعنى المورق، وهو نادر؛ إذ فعله أورق ومثله: أينع فهو يانع، يقال: ورقت الشجرة وأورقت إذا خرج ورقها، وأورق أكثر، ["والسلَم"] 6 بفتحتين؛ شجر من شجر العضاة، الواحدة سلمة، وبه سمي بعض الناس، ويروى: تعطو إلى ناضر السلم -بالنون والضاد المعجمة، والناضر: الحسن، يقال: نضر وجهه -بفتح الضاد وضمها وكسرها ثلاث لغات إذا حَسُن، وأراد بالناضر ها هنا الخضرة، شبه هذا المرأة بظبية مخصبة المرعى تتناول أطراف الشجر وترتعيها.
الإعراب:
قوله: "ويومًا" نصب على الظرف؛ أي: وفي يوم، وهو في الحقيقة عطف على شيء قبله في البيت، وأنشده بعض شراح كتاب الزمخشري: ويومٍ بالجر، ثم قال: الواو فيه واو رب، والتقدير: ورب يوم 1.
قوله: "توافينا": فعل مضارع، وفاعله مستتر فيه وهو الضمير الراجع إلى المرأة التي يمدحها؛ ونا: مفعوله, قوله: "بوجه": يتعلق بتوافينا، والباء فيه بمعنى مع؛ أي: مع وجه مقسم، و"مقسم" مجرور لأنه صفة للوجه, قوله:, كأن, بتسكين النون مخففة من المثقلة، و"ظبية" يجوز فيها الرفع والنصب والجر.
أما الرفع فعلى أنها خبر كأن، والتقدير: كأنها ظبية، وفيه شذوذ لكون الخبر مفردًا مع حذف الاسم.
وأما النصب فعلى أنها اسم كأن، والخبر محذوف تقديره: كأن ظبية هذه المرأة، وهذا إنما يصلح على جعل المشبه مشبهًا به وبالعكس لقصد المبالغة 2.
ويجوز أن يكون الخبر قوله: "تعطو"، وحينئذ لا يكون من عكس التشبيه، وقدر الشارح: كأن مكانها ظبية، وهذا واضح.
وأما الجر فعلى كون أن زائدة والكاف للتشبيه، والتقدير: كظبية تعطو، وتعطو جملة وقعت صفة للظبية بمعنى عاطية، وفيه شذوذ، وهو زيادة أن بين الجار والمجرور.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "كأن ظبية" حيث خففت كأن وحذف اسمها وجاء خبرها مفردًا فافهم 3.